من تاريخ العلاقة بين أميركا وإيران (1/2)

الأيام السورية؛ قسم الأخبار

في الوقت الذي تتصاعد وتيرة التوترات والتهديدات وتتساقط الصواريخ قرب مصالح أميركية في بغداد بعد أيام قليلة من تفجير ناقلات بترول في الخليج وتتكثف التعزيزات العسكرية الأميركية في المنطقة، تطفو من جديد حكايات متجذرة في الماضي البعيد، تحمل كثيراً من الضغائن والخلافات، التي يمكن أن تدفع الولايات المتحدة وإيران إلى مسافة قريبة جداً من الحرب كما يقول مراقبون في واشنطن.

أزمة الرهائن

الرهائن الأميركيون خارج السفارة الأميركية في طهران- المصدر: رويترز

بالنسبة إلى الأميركيين، فإن المغامرات الإيرانية ونفوذها التوسعي ليس وليد الساعة، إنما تنغرس في الذهنية الأميركية منذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وما أعقبها من أزمة للرهائن الأميركيين، التي تعد أطول أزمة رهائن في التاريخ، حيث ثبتت الأميركيين أمام شاشات التلفزيون 14 شهراً متواصلة، ليتابعوا يوماً بعد يوم مشاهد مؤلمة، ولَّدت لديهم مشاعر غاضبة، ومثلت نقطة هجوم فاصلة وجرح لم يندمل تجاه رؤية الأميركيين لبلدهم، فقد عزز هذا الهجوم الذي جاء بعد خمسة أعوام فقط من انتهاء حرب فيتنام وما واكبها من ضحايا بالآلاف، فكرة أن مكانة ودور الولايات المتحدة في العالم قد تتغير، وأن هناك حدوداً للقوة الأميركية ونفوذها حول العالم.

وعلى الرغم من أن أزمة الرهائن لا تُستدعى حالياً في الخطابات السياسية داخل البيت الأبيض أو الكونغرس، فإنها ما زالت حاضرة في العقلية الأميركية، خصوصاً أن الذكرى الأربعين للأزمة، مرّت قبل أسابيع، فعادت شبكات التلفزيون الأميركية إلى بث صورها المؤلمة على المشاهدين وشرحت لهم، خصوصاً من لم يعاصروا هذه الفترة من الأجيال الجديدة، كيف اقتحم مئات من الطلبة المؤيدين المرشد الروحي للثورة الإسلامية آية الله الخميني، سفارة الولايات المتحدة، واحتجزوا 52 دبلوماسياً ومواطناً أميركياً لمدة 444 يوماً استمرت من 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979 وإلى 20 يناير (كانون الثاني) 1981 في تدبير واضح من الخميني وسلطته لتوطيد دعائم حكمهم الجديد في إيران وتعزيز الحكم الديني المناهض العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة حليفة الشاه رضا بهلوي الذي أطاحته الثورة.

تداعيات الأزمة لم تنعكس فقط في السنوات التالية لها على الثقافة الشعبية الأميركية من إنتاج أفلام سينمائية أو تلحين أغان أو تأليف كتب تُجسّد مقدار الجُرح، الذي دفع ثمنه الرئيس جيمي كارتر غالياً بخسارة مهينة أمام رونالد ريغان في الانتخابات الرئاسية التالية، إنما امتدت التداعيات السلبية إلى الذهنية الأميركية الشعبية حتى الآن، إذ أظهر استطلاع للرأي أجرته “بي بي سي” عام 2013 خلال عهد باراك أوباما، أن 87% من الأميركيين لديهم نظرة سلبية تجاه إيران، وهي أعلى نسبة بين دول العالم الأخرى، كما أشار استطلاع رأي آخر أجراه مركز “بيو” الأميركي العام الماضي إلى أن 39% من الأميركيين يرون أن الحد من نفوذ إيران، يجب أن يكون على رأس أولويات السياسة الخارجية الأميركية.

إيران لم تتغير

الخميني وريغان- المصدر: جريدة الرياض

ويقول روس هاريسون أستاذ الأمن القومي والسياسة الخارجية في جامعة “بيتسبيرغ” الأميركية، إن “إدارة ترمب الحالية لم تفعل سوى القليل لشيطنة إيران أمام الرأي العام أو في داخل دهاليز السياسة الأميركية، فقد كانت الذهنية مستعدة للتحرك ضد إيران، ذلك أن الثورة الإسلامية لم تُظهر فقط أن الإسلام السياسي والقومية الإيرانية يمكن أن تُسقط نظاماً يحظى بدعم كامل من الولايات المتحدة، إنما مثلت أزمة الرهائن بداية لمناوشات ومناورات ما أصبح معروفاً بمقاومة إيران النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، كما أعطت إشارة إلى الأميركيين والعالم بأن هناك من يضع قواعد جديدة في الشرق الأوسط، أبرزها تجاهل الأعراف الدبلوماسية وحرمة السفارات، وهو ما فعله الإيرانيون في أزمة الرهائن، فوجهوا ضربة لكرامة الأميركيين واعتزازهم ببلدهم”.

ويضيف، “بدلا من سعي إيران إلى التخفيف من مشاعر البغضاء لدى الأميركيين، سارعت إلى تشكيل ما تسميه بـ(جبهة المقاومة) مع كل من سوريا وحزب الله اللبناني ضد الجهود الأميركية في المنطقة، وبهذا ذكّرت صُناع القرار في واشنطن بأن (البصمة الوراثية) أو (بصمة الحمض النووي) للثورة الإيرانية ضد الولايات المتحدة لم تتغير من جيل إلى جيل في طهران”.

تاريخ من الصراع

جورج بوش الأب- المصدر: جريدة النهار

رسمت الذكريات الأليمة لأزمة الرهائن ومن قبلها الثورة الإسلامية ملامح العلاقة بين واشنطن وطهران في السنوات التالية، إذ كانت إيران بالنسبة إلى الأميركيين تحدياً لمصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط بعدما كانت تلعب دوراً محورياً ضد الاتحاد السوفييتي كحليف قوي لواشنطن.

فخلال الأعوام التالية وأثناء حكم رونالد ريغان، واصلت الولايات المتحدة فرض عقوبات على إيران، وساعدت العراق في حربه ضدها، وزوّدت نظام صدام حسين بأسلحة متعددة وفقاً لتقرير أصدره مجلس الشيوخ، بعدما وقعت هجمات إرهابية ضد سفارة الولايات المتحدة في بيروت وقوات حفظ السلام الأميركية، التي أسفرت عن مقتل مئات من الأميركيين اتضح لاحقاً من وثائق محاكم أميركية، أن حزب الله نَفّذَ هذه الهجمات بأوامر من طهران.

ورغم ما أثير من ضجة حول صفقة “كونترا – غيت” في منتصف الثمانينيات التي تم من خلالها تزويد إيران بأسلحة أميركية مقابل دفع ثمنها إلى متمردي الكونترا الساعين إلى إطاحة حكومة نيكاراغوا اليسارية، فإن إدارة ريغان كانت ترغب فقط في تدخل إيران لإطلاق سراح رهائن أميركيين احتجزوا في لبنان، ولم تلبث العلاقات أن ساءت بسرعة مع شن الولايات المتحدة هجوماً عسكرياً بحرياً ضد إيران عام 1988، عقاباً لها على نشر ألغام بحرية في مياه الخليج، وهو الهجوم الذي ضغط على إيران، وأسهم في وقف حربها مع العراق.

الخميني -المصدر: اذاعة النور

استمرت العلاقات الأميركية – الإيرانية على وتيرتها في عهد الرئيس بوش الأب، لكنها في عهد بيل كلينتون شهدت حظراً جديداً لتعامل الشركات الأميركية مع إيران، ورغم التهدئة التي رافقت تعاطف الرئيس الإيراني محمد خاتمي مع ضحايا أحداث 11 سبتمبر (أيلول) في الولايات المتحدة وقرار المرشد الأعلى علي خامنئي وقف شعار “الموت لأميركا” في صلاة الجمعة بشكل مؤقت، إلا أن الرئيس بوش الابن ما لبث أن ضم إيران إلى “محور الشر” بجانب العراق وكوريا الجنوبية عام 2002، ومع وصول باراك أوباما إلى سُدة الرئاسة في الولايات المتحدة شهدت العلاقات شداً وجذباً، لكنها انتهت إلى رفع العقوبات عن إيران، التي دامت سنوات طويلة بعد التوصل إلى الاتفاق النووي، وتعهد إيران بالتخلي عن قدراتها النووية.

مصدر اندبندنت مركز كارنيغي للشرق الأوسط، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.