من الجماعة إلى الأمة

ينعدم دور الدولة أو ينكمش إلى أدنى حدوده، مقابل صعود الجماعات، ويضرب أية مقومات للانتقال إلى التعبير السياسي الأكثر توافقاً مع المنظومات العولمية الحديثة؛ أي تعبير الدولة/الأمة، الكفيل بضمان استقرار المجتمعات وتطورها وازدهارها الاقتصادي، وتحقيق مستوى متقدم من القيم المرتبطة بحقوق الإنسان. نقرأ معاً..

حسام ميرو
حسام ميرو

أظهر تقدم حركة «طالبان» السريع نحو العاصمة الأفغانية كابول، مدى هشاشة الحكومة الأفغانية السابقة، وانفراط عقد الجيش المدعوم أمريكياً من دون أي مقاومة تذكر، وعادت مع صور النزوح الأفغاني، وما رافقه من مخاوف، القضية الأفغانية لتحتل المشهد العالمي من جديد، ولتطرح مرة أخرى أسباب فشل تحوّل هذا البلد إلى دولة قادرة على إعادة بناء العقد الاجتماعي بين مكونات المجتمع، على الرغم من كل الإمكانات المالية الهائلة التي تمّ صرفها على مدار العقدين الماضيين، حيث ذهبت الكثير من تلك الأموال إلى مشاريع التمكين والحوكمة، لكن كل ذلك الجهد ذهب اليوم أدراج الرياح، كما برز سؤال دولي حول ماهية القوة الإقليمية أو العالمية التي ستملأ الفراغ بعد رحيل القوات الأمريكية والأطلسية، وكأن الأفغان غير قادرين  بإمكاناتهم الذاتية  على استعادة السلم الأهلي، وإدارة شؤون بلدهم.

سؤال أفغانستان ليس سؤالاً استثنائياً، فالعالم العربي اليوم يضم عدداً من الدول التي انهارت أو تداعت فيها أنظمة الحكم القديمة، وبرزت فيها من جديد ولاءات وعصبيات ما قبل الدولة الوطنية، مع عودة التدخلات الخارجية السياسية والعسكرية، كما عادت المجتمعات إلى حالة بدائية سياسية، لتعبّر عن نفسها في أضيق صيغة؛ أي صيغة الجماعات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ظهرت في السنوات الأخيرة كيانات سياسية سورية تحت رايات جماعات دينية وإثنية وقبلية أو حتى جهوية (كما في حالتي درعا والسويداء في الجنوب السوري)، وما ينطبق على الحالة السورية، ينطبق على أحوال دول أخرى في العالم العربي، مع بعض الاختلافات، كما في العراق واليمن وليبيا ولبنان.

الانتقال من الجماعة والجماعات إلى الأمة/الدولة، هو صيغة حديثة وحداثية على المستوى السياسي، وليس المقصود هنا بالأمة استدعاء المعنى الديني الإسلامي لمفهوم الأمة، فمفهوم الأمة بمعناه السياسي الحديث لا ينظر إلى الأفراد عبر هوياتهم الدينية، ولا يعترف بتقسيم المجتمع على أساس أكثرية دينية وأقليات، كما أن الرابطة بين الأفراد لا تمر وتنمو عبر الدين؛ بل من خلال الدولة، بوصفها دولة حيادية على مسافة واحدة من الجميع.

في الدولة/الأمة، لا يوجد أي تمييز إيجابي للأكثرية أو الأقليات، ففكرة الكم لا تلعب أي دور ترجيحي حقوقي لمصلحة أية جماعة، ولا يغدو مهماً بالمعنيين الدستوري والقانوني، أن تكون هذه الجماعة الدينية أو الإثنية أو المذهبية أكثرية، فكونها أكثرية لا يمنحها أية امتيازات تفوق غيرها من الجماعات، كما أن الأقليات لا ينبغي تمييزها إيجابياً، حيث تطرح عادة فكرة الحماية بوصفها تعبيراً عن مخاوف الأقلية من تغوّل الأكثرية على مكانتها وحقوقها وامتيازاتها، وهذا الصراع بين مطالب الجماعات بتمييز إيجابي لوضعها، هو نتيجة وتوصيف  في الوقت ذاته  لمجتمع ودولة لم ينتقلا بعد إلى حالة الدولة/الأمة.

مسار التحوّل من الجماعة إلى الأمة مسار تاريخي طويل، وقد عرفت الكثير من المجتمعات والدول حروباً طويلة وممتدة قبل أن تصبح دولة/أمة بالمعنى السياسي الحديث، لكن ينبغي التأكيد دائماً أن طبيعة دورة الإنتاج ومستوياته تلعب دوراً مهماً في عمليات التحوّل، من حيث فشلها أو التسريع بها، فالتجارب الأكثر نجاحاً في هذا التحوّل هي المجتمعات والدول التي عرفت سياقاً رأسمالياً يقوم على التصنيع، بينما فشلت الكثير من تجارب المجتمعات والدول التي تعتمد على دورات إنتاجية زراعية أو خدمية أو ريعية.

ومع تقدم مسار العولمة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ثمة تحديات كبيرة في وجه المجتمعات والدول التي لم تتمكن من إحداث تغييرات بنيوية في طبيعة اقتصادها، أو في بنية نظامها السياسي؛ إذ ليس بالإمكان أن تصمد الدول الفقيرة والريعية أو المحكومة بأنظمة استبدادية، سياسياً واقتصادياً، فحركة العولمة بدينامياتها وتأثيراتها السريعة تقوم بإحراج هذه الدول، وتُظهر عدم قدرتها على التكيّف؛ بل إنها تطرح مخاطر اصطدام جماعاتها الأهلية بتعبيراتها المختلفة والمتخلّفة، حيث ينعدم دور الدولة أو ينكمش إلى أدنى حدوده، مقابل صعود الجماعات، ويضرب أية مقومات للانتقال إلى التعبير السياسي الأكثر توافقاً مع المنظومات العولمية الحديثة؛ أي تعبير الدولة/الأمة، الكفيل (إلى حد كبير) بضمان استقرار المجتمعات وتطورها وازدهارها الاقتصادي، وتحقيق مستوى متقدم من القيم المرتبطة بحقوق الإنسان.

 

حسام ميرو، كاتب سياسي وإعلامي سوري

مصدر المقال منشور في صحيفة الخليج بتاريخ 23 آب/ أغسطس 2021
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.