من أرض الغياب بقلم تهامة الجندي

 

وُلدّتُ قبل وفاتي
بدقيقةٍ وأربعين عاماً
بعدها
ابتسم لي قبرٌ ماكر
استدرجني
وأحاطني من جميع الجهات.
سألته: أين غادرتني الحياة؟
قال: انسيها، وتذوقي طعمي!
لماذا لم أحظَ بجنازتي؟
صرختُ من الغضب.
ضحكتْ شاهدتي
وكتبتْ على خدّها الأيمن
عاشتْ وحيدة
ومضتْ بلا مشيّعين.

***

مع الثورة
نهضّتُ من رفاتي
ولا أزال في سنتي الخامسة
أتعلّم لغة الغرباء.
كيف أترهّل
يترمّدُ شعري، ويسقط؟
وأنا في أوّج طفولتي.
لماذا أشعر أن جميعهم تخلّوا عني؟
سألتُ طبيبتي
قالت: إنها علامات الاكتئاب
اكتئاب المدمنين على الأحلام.
قلتُ:
أريد حريتي.

***

من مكاني البعيد، أحصي وقتي بعدد المعتقلين. وحدها السجون السورية تكتسي بطابع أممي أصيل، تتسع لكل الجنسيات والأقليات من السوريين واللبنانيين والفلسطينيين وباقي العرب والأجانب، والجميع متساوون بمقدار حصتهم من التعذيب، لا يعلمون متى يُفرج عنهم؟
لم أدخل السجن السوري، عشت حياتي، أنتظر خروج أحبتي من وراء أسواره العالية، حتى صار قلبي مثل زنزانة موحشة آخر الليل.

***

كنتُ أحتسي قهوتي على رصيف المساء، حين لاحظت سيدة متقدّمة في السن، تدفع أمامها عربة للأطفال، تبتسم لمن فيها، وتناجيه بحنان أثار فضولي. مططّتُ عنقي لألمح الصغير في العربة، لم أره، رأيت دمية بحجمه.

مشيّتُ إلى موعدي مع الفراغ، استوقفتني سيدة تحمل جريدة اليوم، سألتني إن كان بإمكاني، أن أقرأ لها ما كُتب تحت صورة تودور جيفكوف، سحبت الجريدة من يدها بفضول، ما الذي يكتبونه عن آخر رئيس في بلغاريا الشيوعية؟ رحل منذ زمن بعيد، وبالكاد يأتي أحد على ذكره؟ نظرتُ حيث تشير السيدة بإصبعها، لم تكن صورة جيفكوف، كانت الصورة لجورج كلوني.

أخذّتُ حافلة الضياع، قطعتُ تذكرتي، وجلستُ على المقّعد المعاكس لحركة السير، قابلني رجل، نظر إليّ وحيّاني، أحنيتُ رأسي قليلاً، ورسمتُ ابتسامة صغيرة على شفتيّ. التفتَ الرجل إلى أمه، وقال بصوت سمعه جميع الركاب: “أخبريهم أني لا أخالط سوى أولاد الذوات، وأني لا أريدهم أولئك المثقفين”. كرّر العبارة أكثر من مرة، وفي كل مرة كان صوته يرتفع أكثر، وكانت الأم تهدّئ من روعه. هل كان يعتبرني واحدة من بنات الذوات أم من المثقّفات؟ لست أدري، لكني اضطررت إلى النزول من الحافلة، حتى يهدأ روعي.

***

عند الفجر
صعدّتُ القمر.
كانت دموع السماء قريبة
وتحت مظلّتي
رأيتُ الحب.
سألته: لماذا تأخرت؟
قال: كنتُ أحّرس الأرض.
وأنا؟
قال: لا تسّتفزّي السّراب
دعيه يضيء وقت يشاء.
– وماذا بعد؟
– سنكبر معاً في الحكاية.
– وماذا بعد؟
– اتبعيني، ولا تستيقظي أبداً
أخشى عليكِ من الحنين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.