منهج الفكر الفلسفي عند الطيب التيزيني

يُعدّ الطيب تيزيني أحد القلائل الذين زلزلوا الفكر العربي وتراثيته ونقده لمجموع المفكرين التراثيين لتأسيس فلسفة خاصة وعميقة في الفكر المعاصر.

117
الأيام السورية؛ خالد علوش

يتحدد منهج الفكر الفلسفي عند التيزيني، أن الفكر العربي ـ بما في ذلك فكر ما قبل الإسلام ـ هو مرحلة تندرج في سيرورة الفكر الإنساني الأشمل، مما يؤدي أن الفكر العربي يمكن إخضاعه إلى المنهج الجدلي المادي كسائر الفكر البشري، والثاني هو الرفض القاطع لفكرة المركزية الأوروبية، التي جردت الفكر العربي واعتبرته ليس سوى ناقل للفكر اليوناني القديم، ومن هنا تتحدد الصبغة الفلسفية لفكر الطيب لإعادة إنتاج الفكر العربي وعدم اعتباره جامداً. يقول التيزيني:

“إن الفكر العربي، بأنساقه المستنيرة، مدعو إلى خوض اختبار عميق ومركب ومعقد يتمثل باكتشاف الطريقة الحقيقية للمزاوجة بين الواقع العربي المشخص وأكثر المناهج المعاصرة نجاعة في بعديها المعرفي والأيديولوجي، وذلك بعيداً عن هوس الإنجاز المتسرع واللاهث وراء نتائج قطعية وتامة. ونحن نرى أن مثل هذا الطموح لا يستطيع ـ في كل الأحوال ـ أن يتجاوز اللحظة الجوهرية في منهج التجاوز والتخطي ذاك المنهج المادي الجدلي التاريخي”.

الأشكال الفكرية التي تناولت التاريخ والفكر العربي

يرى تيزيني أن الأشكال الفكرية التي تناولت التاريخ والفكر العربي، وحاولت تصنيمه بمجموعة من الأفكار الفلسفية الغربية، وأهمها الفكر البنيوي القائم على الثبات، كانت قد أصدر أحكاماً غير تاريخية ودفعت الفكر العربي بشكل واعي أو غير واعي إلى التخلي عن فكرة النهضة.

يرى تيزيني أن الأشكال الفكرية التي تناولت التاريخ والفكر العربي، وحاولت تصنيمه بمجموعة من الأفكار الفلسفية الغربية، وأهمها الفكر البنيوي القائم على الثبات، كانت قد أصدر أحكاماً غير تاريخية ودفعت الفكر العربي بشكل واعي أو غير واعي إلى التخلي عن فكرة النهضة.

ويرى الطيب أن المنطق ينبغي أن يُمارس في تاريخيته بشكل عضوي ووثيق. وعلى هذا يجب قراءة الفكر العربي الإسلامي باعتباره جزءً من تاريخ الفكر الإنساني والذي يمتلك سماته الخاصة.

إن التعاطي مع المسألة من هذا البند تؤدي بشكل قطعي إلى فهم آلية المركزية الأوربية التي نظرت إلى التاريخ الإنساني أنه نتاج غربي بحت، بدءً من العهد اليوناني مروراً بعصر النهضة والتنوير ومنتهياً بالعصر الحديث والمعاصر. وهذه الرؤية توسم الفكر الإنساني بحالة رجعية وعنصرية وغير علمية.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي

لكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسيطرة الولايات المتحدة على العالم تدريجياً، توقف الطيب ليقوم بمراجعة جذرية لمشروعه الفكري الفلسفي والنهضوي التراثي، فيرى أن المشروع النهضوي الجديد لا يمكن أن ينتقل بمفهوم الثورة بمعناه المتعارف عليه كلاسيكياً، بل ينطلق ليكون تحالفاً طبقياً أو سياسياً يضم كل فئات المجتمع. فأي حديث عن المشروع الثوري هو خطير. من هذا الباب أصبحت فكرة معالجة مشروع النهضة والتغيير الاجتماعي خاضعة لمعطيات الواقع السياسي.

إن التحول الفكري الذي خاضه التيزيني مع معطيات الواقع جعله يبني رؤية جديدة تجسدت في ثلاث قضايا أساسية، الأولى مواجهة فكر العولمة الذي يهدد بتفكيك الهوية العربية وبالتالي إجهاض أي احتمالات للنهضة.

والثاني مواجهة الفكر العربي الذي يتسم بنظرة سلبية بنيوية اتجاه “العقل العربي” بما يهدد أيضاً بإجهاض مشروع النهضة نتيجة إفراغها من خصوصيتها الذاتية.

والثالث مواجهة المشكلات الواقعية المجتمعية التي تهدد المشروع. يرى أن هذه القضايا المترابطة لتهديد النهضة خُلقت بحالة تزوير من الغرب اتجاه الحالة العربية وذلك من خلال التواطؤ الإمبريالي العربي وما قبله وما بعده، حيث استطاعت الإمبريالية أن تفعل فعلها في الوضعية العربية انطلاقاً من عدم التكافؤ التاريخي في البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، أي لحظة التوقيت بين بدايات الرأسمالية البرجوازية العربية من جهة ونهايات الرأسمالية الامبريالية من جهة أخرى.

نقد التصورات البنيوية للعقل العربي

إن أحد أهم الأفكار التي عمل عليها التيزيني، هو نقد التصورات البنيوية للعقل العربي، وهو (من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي ـ بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية)، وفيه بدأ الطيب بتقويض ونقد طرقة معالجة الجابري للتراث العربي ومشكلاته الثقافية، حيث دعى الجابري إلى تفتيت الخطاب العربي وتفكيك العقل وتقديم عصر تدوين جديد للثقافة العربية.

ينقد الطيب منهج الجابري الصوري بداية، أن منهجه ليس معرفياً، إنما هو منهج إيديولوجي أساساً مطروح في صورة معرفية، ويصف منهج الجابري أن يمتلك الكثير من الشطط والاعتباط الإيديولوجي، ويصف التيزيني أن الجابري قام على امتهان السياقات الثلاث الكبرى للبحث المعرفي وهي الاجتماعي والجدلي والتاريخي، فهو رفض مفهوم العلاقة بين الفكر النظري وواقعه الاجتماعي البشري، كما يجهل آلية الفعل الناظم للعلاقة بين فكر ينتمي لواقع من جهة وواقع آخر سابق عليه أو معاصر من جهة أخرى، ويفرط ما يربط بين السابق واللاحق.

ويستمر بنقد منهج الجابري للعقل والعقلية العربية، ويرتكز نقده على أساس الانزلاق إلى المفهوم العنصري للعقل، والتفرقة الاثنية بين العقلية المشرقية والعقلية المغربية والاعتماد على المفهوم الإستشراقي للمركزية الاوروبية.

إن النقد الشديد للتيزيني لمنهج الجابري من اعتماده على فكرته الأساسية المركزية الأوروبية في صيغته الخفية والمعلنة، شرّح تاريخية التراث العربي وربطه بتاريخية الفعل الإسلامي، حيث قدّم أطروحته المركزية للمشروع العربي بما يشبه إمكانية تحقيق ما هو بمثابة العمل الإعجازي.

إن النقد الشديد للتيزيني لمنهج الجابري من اعتماده على فكرته الأساسية المركزية الأوروبية في صيغته الخفية والمعلنة، شرّح تاريخية التراث العربي وربطه بتاريخية الفعل الإسلامي، حيث قدّم أطروحته المركزية للمشروع العربي بما يشبه إمكانية تحقيق ما هو بمثابة العمل الإعجازي.

صناعة تراث خاص وجديد

يمكن لنا أخيراً فهم فلسفة التيزيني من عدة نقاط وهي التركيز على أهمية صناعة تراث خاص وجديد اعتماداً على تشريح البنية التاريخية للفكر العربي وتقديمه باعتباره جزءً من التراث الإنساني ومحوراً فاعلاً ومُطوّراً وليس أحادياً أو صنمياً. والثاني هو الخروج من وهم المركزية الأوروبية الحضارية وإعادة قراءة عصر النهضة والتنوير بطريقة عقلانية والاستفادة من أجزاء منها لإعادة خلق مشروع نهضوي عربي، مع التركيز ان الفعل الأكاديمي المستقل لا يكفي للقيام بذلك المشروع النهضوي، لأنه بطبيعة الحال ترتبط مع صياغات اقتصادية وسياسة واقعية.

إن دعوة التيزيني هي بمثابة فهم السياسة مع الفلسفة بحالة جدلية إنجازية، والتركيز على نقد أي مُعطى فلسفي عربي معاصر والتصعيد الجدلي بها للوصول إلى جوهر المشروع الثقافي والفكري النهضوي.

أخيراً فإن الطيب تيزيني يعد أحد القلائل الذين زلزلوا الفكر العربي وتراثيته ونقده لمجموع المفكرين التراثيين لتأسيس فلسفة خاصة وعميقة في الفكر المعاصر.

لا يمكننا فعلياً تلخيص الانجاز الذي قدّمه الطيب تيزيني خلال نصف قرن من العمل الفلسفي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.