منشار تكساس.. عندما تترسخ الإيديولوجيا

115
الأيام السورية؛ علي الأعرج

كانت مشكلتي الشخصية دائماً اتجاه فكرة الطفل الذي يأتي إلى الحياة جديداً، هو سؤال، ما الذي يمكن أن أقوله لذلك الطفل؟ الأشياء التي لا يصبح معها ما أقوله له!. كيف يمكن أن ينمو دون أن يصبح أنا! أو يصبح جزءًا من قناعة شاملة لمجتمع!. أن يكون حراً دون رواسب تأثيرية لمنطق الصحيح والخاطئ. اكتشفت فيما بعد أن المعادلة لا يمكن تحقيقها إلا في مرحلة متقدمة.

لكن المشكلة الأكبر هي أنه حتى عندما يكبر سيمارس ما نشأ عليه حتى لو تغيرت قناعاته العامة، إنه سيمارس التاريخ اللاواعي لما اختزنه. فكانت الصيغة الأمثل هي؛ أن يوجد في بيئة لا قوانين ولا إيديولوجيات جاهزة فيها. عندما تختفي الإيديولوجيات من المجتمعات يمكن حينها أن تنشأ أجيال حرة بالمعنى العميق.

إنّ تحديد معنى الإيديولوجيا، هو أي نسق من الأفكار يبرر خضوع جماعة ما، لجماعة أخرى، مع إضفاء نوع من الشرعية على هذا الخضوع. والتعريف الأكمل له، إنّه النسق الكلي للأفكار والمعتقدات والاتجاهات العامة الكامنة في أنماط سلوكية معينة. وهي تساعد على تفسير الأسس الأخلاقية للفعل الواقعي، وتعمل على توجيهه.

وللنسق المقدرة على تبرير السلوك الشخصي، وإضفاء المشروعية على النظام القائم والدفاع عنه، فعليه تصبح الآراء السياسية والأديان والثقافة العسكرية، جميعها إيديولوجيات. والبشر عموماً تمارس إيديولوجياتها الخاصة من منطق ذاتي ومقنع لبيئاتهم، بأن ما يحملونه من أفكار يحقق العدالة، ربما بالنسبة لهم شخصياً، أو توهمهم أنها عدالة تشمل الجميع.

وبكلتا الحالتين، تكون الإيديولوجيا نوع من التنمّر الفكري على الآخرين، وإجبارهم على اعتناق رؤاهم، دون النظر على ما نسميه حرية الآخر واستقلالية اختياراته.

البشر عموماً تمارس إيديولوجياتها الخاصة من منطق ذاتي ومقنع لبيئاتهم، بأن ما يحملونه من أفكار يحقق العدالة، ربما بالنسبة لهم شخصياً، أو توهمهم أنها عدالة تشمل الجميع.

وللأسف وصلت الإنسانية إلى مستوى منحط؛ أصبحت فيه صيغ إجبار البشر على الاقتناع بأي طريقة كانت هو سمة العصر، وما الحروب والصراعات إلا أحد أشكالها الأكثر ابتذالاً، وتدلل على تفاهة وغباء الجنس البشري وإيديولوجياته جميعها.. من منظومات الاقتصاد السياسي كالاشتراكية والرأسمالية، مروراً بالأديان ورؤاها الفردوسية وانتهاءً بمنطق القوى العسكرية.

ومع ذلك في جميع هذه الأمثلة ما زالت الإنسانية تعيش نوعاً من التوافق الحر، نتيجة التجديدات الخاضعة لمنطق التمرد المبتكر بأفكار حديثة. فالإيديولوجيات عندما تنشأ تكون محوراً للخلاص من السائد، وبطبيعتها لا تكون ثابتة الكيانات، فينشأ من عمقها ما يتفرع عنها وهي ما أسميناها التمرد المبتكر.

ففي حالة الأديان مثلاً، ما جاء به المسيح، تفرع عنه تمرد من النوع البروتستانتي، والأرذثوكسي، والكاثوليكي، وفي الإسلام كان هناك ما عُرف بالمعتزلة، والصوفية، ولا دينيّ العصر العباسي .. الخ. لكن يبقى الجذر الإيديولوجي واحداً. فما الذي يمكن له الحدوث عندما يترسخ ذلك الجذر إلى مرحلة اللاعودة!.

في عام 1906 ولد بولاية وسكنسون الأمريكية طفل عرف باسم “إد جين” وهو الذي سيُرهب أمريكا بعد نصف قرن تقريباً، وسيعرف باسم قاتل منشار تكساس. إن ما جعل الطفل البريء قاتلاً هي ببساطة والدته أغوستا. المرأة الأكثر تديناً في حياة إد. طوال أربعين عاماً نشأ “إد” في المنطقة الإيديولوجية الخاصة بأغوستا. تلك المنطقة الفكرية التي تقوم عليها جميع الأديان رغم اختلافها لكن جذرها واحد، إنها المعصية.

ما هو الخطاب الذي تلقاه” إد” طوال أربعين عاماً! .. (من لم يطع الله سيكون في الجحيم \ من لم يطعني سيكون في الجحيم \ إننا هبطنا على أرض فاسقة نتيجة معصيتنا ويجب إصلاحها) ببساطة كان خطاب أغوستا طوال أربعين عاماً هو ذات أي خطاب ديني يفصل الإنسان عن حقيقة عالمه. والدة إد كانت عالمه المطلق، وعندما توفيت أصبح إد مضطراً لمجابهة العالم بمفرده بإيديولوجيا مترسخة عميقاً في ذاكرته وعقله وروحه. وما قاتل منشار تكساس إلا صيغة العدالة من وجهته الأيديولوجية المتجذرة، إنها صورة تحقيق العدل وإخضاع البشر بعيداً عن أي قبول لتنوّع الآخر، حتى لو كان ذلك بطريقة القتل.

إن لم نتخلص بما نؤمن به جاهزاً في وعينا الذي افترض ذاته تاريخياً داخلنا نتيجة البيئة، وإن لم نهدم كل شيء عقلياً، ونحطَم ثقافة الحق المطلق لجهة على حساب أخرى، سنستمر بخلق هلاكنا القريب

إنّ نموذج “إد” رغم فردانيته وقلته في العالم، إلا أنه إسقاط على نسق مفهوم الإيديولوجيا المعاصرة. بمعنى عندما نرسّخ منطق إيديولوجي فنحن لا نخلق عدالة أو منطق سليم في الحياة، بل نخلق قطعان مريضة ومتأزمة، وتحتاج فقط إلى ظروف كي نُخرج وحشاً آدمياً من ذواتنا اتجاه العالم.

إن وصولنا إلى هوس الأفكار وعمقها في ذواتنا، سيجعلنا نحيا في صراعات تدميرية تؤدي بنا تلقائياً إلى الهلاك. ومحاولات التعويض الخاضعة لصورة من قبل الكيانات المؤسساتية وافتراضاتها الاصطلاحية؛ كالعدل والحرية والمبادئ، ليست سوى إعادة تدوير الذهن في قوانين تفترضها القوى، ونساهم فيها نحن الأكثر انسياقاً، حتى أننا نتحول إلى مدافعين أشداء عن هلاكنا ومؤمنين أنّه الخلاص.

والمسألة هنا تشمل الجميع، اليسار واليمين، الشمال والجنوب، الشرق والغرب.. الخ. حتى هذه الاصطلاحات نفسها هي أنساق إيديولوجية مقيتة؛ افترضتها القوانين والدساتير الموضوعة من قوى لتحدد مفهومنا عن شكل الحياة، وبما يناسب تلك القوى، وكيف يجب أن نحيا؟ ونتصارع تحت بند طبيعة الوجود. الرفض والتخندق والرؤية الذاتية والانغلاق واعتبار الجميع بأنه يملك الحقيقة.

إن لم نتخلص بما نؤمن به جاهزاً في وعينا الذي افترض ذاته تاريخياً داخلنا نتيجة البيئة، وإن لم نهدم كل شيء عقلياً، ونحطَم ثقافة الحق المطلق لجهة على حساب أخرى، سنستمر بخلق هلاكنا القريب. الإيديولوجيات جميعها تدفعنا لانقراض جماعي. انقراض لن يبقى منه أحد ليقول: نحن الحق المطلق.

ولكم في منشار تكساس عبرة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.