ممدوح عزام.. المكان الصغير والأفق المفتوح

إن تجربة ممدوح عزام كروائي سوري ذو بعد كتابي خاص وأسلوب مختلف عن أي كاتب آخر، يضعه كحالة فريدة في نقاش تفاصيل مجتمعه والتنقيب خلفه، إنه أكثر قابلية ومرونة للتعبير عن تفاصيل سوريا ولو كانت بحلقة صغيرة منها.

الأيام السورية؛ خالد علوش

رغم سنينه السبعين وتجربته الواسعة في الكتابة إلا أنه ما زال يلتزم بقاعدة الأدب الأساسية، وهي الانحسار نحو عوالم مكانية تنطق بما يمكن تحميله للشخوص من أفعال. فالقرية الصغيرة التي منها وُلِد ما زالت حاضرة تقريباً في أغلب أعماله، وما زال الجنوب يثبت قدرته على الحضور وتنويع لشخوصها في مستويات إنسانية أكبر.

ما زال يلتزم بالبعد الكلاسيكي لفن الرواية من حيث التفاعل الشخوصي مع بيئاتها ونتاج تعقيدات تنطلق لمسارات أوسع تشكل لوحة الفنان وأزمته وهويته كما تشكل أزمة وهوية الشخصيات أنفسهم.

الولادة والنشأة

إنه الأديب والروائي السوري ممدوح عزام ابن الجنوب. وُلِد عزام في قرية تعارة التابعة لمحافظة السويداء عام 1950، ونشأ في بيئة لا تختلف من حيث مضمونها عن أي بيئة سورية أخرى ولو باختلافات طفيفة. درس مراحله الأولى في السويداء قبل أن ينتقل لدراسة الأدب العربي في جامعة دمشق، ويبدأ حياته المهنيّة كمدرّس في المدارس السورية.

في كل عمل كانت تجربة ممدوح تنضج بشكل مختلف وتتطور في البنية الأدبية والشخوصية، ولو أنه حافظ على هيكلية أساسية للأدب من حيث البيئة التي بقيت محور اهتمامه وهي قريته وثقافة الجنوب السويداء.

البيئة هي محور اهتمامه

كانت حياة عزام تقريباً تتمحور حول الثقافة والتعاطي معها بالمنطق الشعبي، إلا أن هذه الثقافة وجدت طريقاً لها في صدور أول أعماله عام 1985 حيث نشر أول مجموعاته القصصية، بعنوان نحو الماء عن منشورات وزارة الثقافة السورية، لتبدأ بعدها سلسلة من الأعمال التي ما زالت حتى اليوم.

في كل عمل كانت تجربة ممدوح تنضج بشكل مختلف وتتطور في البنية الأدبية والشخوصية، ولو أنه حافظ على هيكلية أساسية للأدب من حيث البيئة التي بقيت محور اهتمامه وهي قريته وثقافة الجنوب (السويداء)، وربما كانت هذه أحد الأسباب التي أثرت في عدم ظهور عزام لساحة أدبية أكبر، لقد اختار طريقته الأدبية في التمركز وراء نقطة بيئية واحدة ليبني عليها شخصيات تم تحميلها معضلات ثقافية وفكرية أضخم مما يمكن تحميله، لكن في جانب آخر، يمكن اعتبار هذه الفرادة الأدبية نقطة مميزة لطبيعة نص سوري مختلف نوعاً ما عن طبيعة النصوص الأخرى.

بالطبع لم يكتفِ ممدوح في مهنة التدريس والكتابة القصصية والروائية، فهو إلى جانب ذلك يعتبر صحفي قادر على التقاط مسائل تفصيلية بعين الروائي لطرحها ومعالجتها بنظرة مختلفة، فهو لليوم ما زال يكتب في موقع العربي الجديد بشكل دوري، متناولاً قضايا وهموم كانت على الدوام شغله الأساسي في نصوصه الأدبية، هموم مجتمعية وسياسية بلغة الأديب.

أعماله

أصدر ممدوح عزام الكثير من الأعمال، نحو الماء 1985، معراج الموت 1987، قصر المطر 1998، جهات الجنوب 2000، الشراع 2000، أرض الكلام 2005، عن الدهشة والألم 2007، نساء الخيال 2011، أرواح صخرات العسل 2018، وآخر أعماله لا تخبر الحصان 2019.

ويمكن اعتبار تجربته الأنضج كانت في رواية أرواح صخرات العسل التي تعامل معها في إعادة كتابة التاريخ بالعودة لفرزه من حيث سرد تاريخ الشخوص بشكل منفصل لإعادة تجميعهم وبناء تاريخ سياسي كامل لأحداث روايته، مُنجز ضمن علاقات بشرية خاضعة لتقلبات الظروف والوقائع.

جاءت الرواية كتجسيد لحالة سوريا الحالية، أو كما يقول عزام “مرثية” للأنقياء الذين عايشوا الحرب السورية.

عزام في محنة

نشر أول أعماله عام 1985 وكانت مجموعة قصصية، بعنوان نحو الماء عن منشورات وزارة الثقافة السورية، لتبدأ بعدها سلسلة من الأعمال التي ما زالت تتوالى حتى اليوم.

لكن الذي لفت أنظار المجتمع الأدبي لعزام هو المحنة التي تعرّض لها في عام 2000، عندما أصدر مجموعة من مشايخ الطائفة الدرزية قراراً بإهدار دمه نتيجة الإساءة (من وجهة نظرهم) التي طرحها عزام في روايته قصر المطر، بحجة أن شخوص الرواية تسيء للأخلاق المجتمعية لما تحتويه من فجور وفسوق لأبطالها وإدانة لتاريخهم النضالي. والمثير للسخرية أن اتحاد الكتاب العرب في دمشق دعا عزام إلى طلب المغفرة والصفح من الشيوخ والتراجع عن روايته ومصالحة طائفته.

وامتدت الأزمة لتطال أبنائه وتهددهم بالقتل، وأصدر مشايخ الطائفة بياناً حينها تطالب فيه رئيس الوزراء بإلغاء الترخيص المفضي لنشر الرواية ومنع تداولها في الأسواق وسحب جميع النسخ من المراكز الثقافية والمكتبات.

وفعلياً تحققت غاية الطائفة الدرزية بعد أن وافقت الوزارة بمحاربة شخص يمتلك قلماً مقابل الحفاظ على وجاهة دينية تعاني من هوس التاريخ والثبات عنده دون النظر للحياة والفكر بعين ناقدة.

إن تجربة ممدوح عزام كروائي سوري ذو بعد كتابي خاص وأسلوب مختلف عن أي كاتب آخر، يضعه كحالة فريدة في نقاش تفاصيل مجتمعه والتنقيب خلفه، إنه أكثر قابلية ومرونة للتعبير عن تفاصيل سوريا ولو كانت بحلقة صغيرة منها.

ممدوح عزام (العربي الجديد)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.