ممدوح عدوان.. الدون كيخوتي الأخير والشاعر الذي حارب طواحين الفساد

ممدوح عدوان أشبه بالأيقونة الثقافية التي لم تخبو وما زالت حاضرة دائماً. تجربة المفكر والمثقف الحر الذي لم ينصاع لإيديولوجيا خاصة أو توجه معين بقدر ما هو توجه إنساني صرف.

الأيام السورية؛ خالد علوش

إن كان لا بد من حديث عن ثورة الوعي والإنسان في سوريا فلا أحد يحضر سوى ممدوح عدوان. لا أدري إن كان ذلك إحساساً شخصياً، لكن عندما يمر عدوان في ذاكرة الثقافة السورية فلا يمكن أن نرى سوى محارب رفيع الطراز أشبه بدون كيخوته. الرجل الذي أمضى ثلاثة وستين عاماً خابراً كل تقلبات الإنسان والسياسة والثقافة، ومحباً شغوفاً للقيم الأخلاقية والعقلية، ومحارباً لانحدار الإنسان الذي شهده في سنوات حياته.

بين ممدوح ومدحت

وُلد ممدوح صبري عدوان في العام المقدس 1941 لتاريخ الثقافة في بلاد الشام (إن جاز التعبير)، فهو عام ممدوح عدوان وسعد الله ونوس ومحمود درويش. ولد في قرية قيروان بمصياف، في ريف حماه لوالدين فقيرين (صبري ووضحة). أطلق الوالد اسم مدحت على ممدوح في بداية الأمر، وبقي هذا الاسم ملازماً له عند زيارته لقريته، قبل أن يغير الأب (صبري) اسم الطفل في إدراة النفوس من مدحت لممدوح بعد أن أخبره الأعيان في القرية أن اسم مدحت هو اسم عثماني، وهكذا كان لعدوان اسمين، اسم أصبح فيه أحد أعلام الثقافة السورية وهو ممدوح واسم بقي عالقاً في أذهان أبناء القرية وهو مدحت.

نشأته الأولى في القرية الصغيرة

كانت نشأته الأولى في القرية الصغيرة حيث تلقى علومه الأولية متنقلاً بين قيروان ودير ماما، وعندما أصبح في سن الدراسة الابتدائية تم انتقال والديه إلى مصياف حيث درس هناك المرحلة الابتدائية والإعدادية، ونتيجة عدم توفر مدرسة ثانوية بمصياف اضطر للانتقال لدراستها في حمص، ولم تكن تلك الفترة تحوي الكثير من الإثارة لممدوح، إنها أقرب للروتين الحياتي، لكن كل ذلك تغيّر عندما غادر مصياف منطلقاً نحو دمشق ليدرس الأدب الإنكليزي وتتفجر لديه طاقات الإبداع الكامنة بعد أن تم رفض طلبه من والده بدراسة التمثيل، حيث يقول عدوان عن تلك التجربة: (كان لديّ حلم منذ نشأتي أن أصبح ممثلاً لكن والدي رفض ذلك رفضاً قاطعاً لما يرغبه الآباء عادة بأن يصبح الأبناء دكاترة أو محامين، وقد تم احتجازي في المنزل لمدة عام كي أنسى أمر التمثيل، وفي تلك الفترة جلست وبدأت بالاطلاع على شعر بدوي الجبل ونزار قباني، لكن ذلك لم يروي غريزتي أو معرفتي حول الشعر، فعند انتقالي لدمشق أدركت مدى هشاشة الثقافة الشعرية لديّ التي كنت أظنها جوهرية).

الكتابة الأدبية والصحفية

بدأ عدوان بالعمل مع جريدة الثورة عام 1964 بنشر المقالات الصحفية كما ساهم بنشر الكثير من الشعر في مجلة الآداب اللبنانية والكثير من المجلات العربية الأخرى، وكان ذلك قبل تخرجه من جامعة دمشق بعامين (1966).

لقد كان ممدوح ذو إنتاج غزير، فعمله بالكتابة الصحفية لم يتوقف حتى وفاته بالإضافة لعمله في الترجمة عن الإنكليزية حيث ساهم بترجمة أهم الأعمال الفكرية والأدبية والفلسفية إلى اللغة العربية، وألّف ما يقارب ستة وعشرين مسرحية قُدّمت على مسارح سوريا والوطن العربي، كما نشر سبعة عشر مجموعة شعرية، إضافة لكتبه النقدية في مجالات الفن والفكر. وكتابته في مجال الدراما التلفزيونية التي ساهمت بشكل كبير في تطور فن الشاشة الصغيرة، كما درّس مادة الكتابة المسرحية في المعهد العالي للفنون منذ عام 1992.

من أغلفة مؤلفات ممدوح عدوان(قارئ جرير)

عدوان والكتابة المسرحية

نوّع عدوان في مجال الكتابة المسرحية، فكان أول من كتب المونودراما في سوريا وهي تجربة لاقت استحساناً كبيراً من قبل المسرحيين والنخب الثقافية فكانت أول مونودراما هي (حال الدنيا) وتبعها بعد ذلك بثلاثة نصوص وهي (الزبال – القيامة – آكل لحوم البشر) وقد قام الممثل زيناتي قدسية بتقديمها تباعاً لما احتوته من تجديد وإبداع في المجال المسرحي.

كما كتب أهم المسرحيات منها (ليل العبيد – حكايات الملوك – سفر برلك – الغول وأكثرها إبداعاً على المستوى المسرحي كانت هاملت يستيقظ متأخراً) والكثير غيرها.

إن تجربة المسرح لعدوان كانت قفزة في عالم المسرح السوري بجانب سعد الله ونوس وفواز الساجر وفيصل الراشد، حيث نتج عنه إبداع أصيل لمعاناة الإنسان التي ركز عليها عدوان دائماً بقدرة فذة ساهمت بصناعة تاريخ واضح لسوريا في مجال المسرح المعاصر.

ممدوح عدوان مع أغلفة بعض أعمالة(مجلتك)

ممدوح عدوان الشاعر

لم يكتف عدوان عند ذلك الحد، فكان منذ البداية يطمح للوصول لما يكتشفه من إبداع خامل في ذاته يحتاج لثورة في الخروج، فكانت أول تجربة نجاح خاضها في عام 1969 عندما دُعي إلى بغداد ليشارك في أمسية شعرية كان فيها الجواهري قبله وقباني بعده، ورغم أن الناس لم تكن تعرف عدوان وأنه كان بين اثنين من عمالقة الشعر الحديث في ذلك الزمن إلا أنه استطاع ترك بصمة عميقة في نفوس الناس، كانت تلك مرحلة التفجّر الثقافي والفكري التي لم يتوقف بعدها عدوان حتى لحظة وفاته.

ألف العديد من القصائد والدواوين منذ عام (1967 – 2004) من دواوينه (الظل الأخضر – الدماء تدق النوافذ – أمي تطارد قاتلها – أبداً إلى المنافي – للريح ذاكرة ولي – كتابة الموت – لا دروب إلى روما – وغيرها الكثير) ورغم أنه لم يكن قد أثبت حضوره الشعري كما فعل كثير من معاصريه من أمثال درويش والقاسم وقباني وأدونيس والماغوط وأبو عفش، إلا أن أشعاره تمتلك خاصة لا توجد لدى أحد آخر، مفرداته ولغته وأفكاره التي كانت حادة الطباع ومليئة بثورة كتيمة تحاكي انهيارات الإنسان في زمن يزيف كل جمال وحقيقة للبسطاء.

ممدوح عدوان كمفكر حر

بطبيعة الحال لم يحاول عدوان تقديم نفسه يوماً كشاعر بقدر ما كان يُعرف عنه كمفكر حر، وذلك التعبير الأكثر قرباً له وبخاصة في سنواته الأخيرة التي ألّف فيها أعظم أعماله (الامتعاضية) من كشف حقيقة الإنسان والعالم المحيط به (إذا جاز التعبير). فمنذ صدور كتابه (دفاعاً عن الجنون 1985) ترك عدوان بصمته الثورية الامتعاضية بحق إزاء الواقع السوري والعربي في مجالاته الثقافية. ليُلحقها بعد ذلك في آخر سنيتن من حياته بمجموعة من أهم الكتب التي ستبقى مرجعاً ليس فقط فكرياً بل مرجعاً للإحساس البشري (نحن دون كيشوت – تهويد المعرفة – حيونة الإنسان – جنون آخر – هواجس الشعر). لقد كانت تلك الكتب بمثابة الصفعة الثورية بوجه العالم والنظم السياسية والثقافية الحمقاء التي صنعها النظام السوري والأنظمة العربية خلال فترات حكمهم، التجهيل والاستغباء.

عدوان والترجمة

رغم ثورته الفكرية الخاصة في التأليف، لم يتوقف عند ذلك الحد، فعمل بموضوع الترجمة، وكانت ترجماته فيها من التميّز والاختيار ما جعل عدوان في الواقع الثقافي أن يوصف بالرجل الذكي. فمن أهم ترجماته التي ستبقى مرجعاً للثقافة العربية (التعذيب عبر العصور – تقرير إلى غريكو – زوربا البرازيلي – الكوميديا الإيطالية – تاريخ الشيطان – إلياذة هوميروس – عودة أوليس .. الخ). لقد كانت ترجماته الحذرة بالدمج بين أصالة النص الأجنبي والسلاسة في نقل المعلومة هي الميزة التي جعلته متفوقاً عن كثيرين غيره من المترجمين الذين ترجموا بعض الأعمال المشابهة.

ممدوح عدوان(فيسبوك)

عدوان وكتابة الدراما

إن الحديث عن عدوان وإنجازاته تطول، ولا يمكن لنا أن نحصرها بعدد معين من الكلمات. لقد كان رجلاً معروفاً ليس للنخب المثقفة فقط بل لكل إنسان سوري وذلك لقدرته الفائقة بالدخول إلى كل منزل من خلال كتابته لأهم السيناريوهات التلفزيونية في مرحلة صعود الدراما في وقت من الأوقات، فالجميع الذين عاصروا مرحلة تاريخية من تلك الدراما لم ينسوا تلك الأعمال المميزة (دائرة النار – شبكة العنكبوت – اختفاء رجل – جريمة في الذاكرة – أبو الطيب المتنبي – الزير سالم) تلك الأعمال التي تركت بصمة في داخل كل إنسان سوري وبقي الحديث عنها حتى اليوم. بالتأكيد تلك ليست مصادفة تاريخية بقدر ما هي إمكانية عميقة في قدرة كاتب أن يؤسس طابعاً فكرياً خاصاً في كل عمل قدّمه خلال مسيرته.

إنّ ممدوح عدوان أشبه بالأيقونة الثقافية التي لم تخبو وما زالت حاضرة دائماً. تجربة المفكر والمثقف الحر الذي لم ينصاع لإيديولوجيا خاصة أو توجه معين بقدر ما هو توجه إنساني صرف.

وفاته

في آذار عام 2003 بدأت تظهر عليه علائم السرطان والذي أخذ يأكل جسد ذلك الرجل ببطء وهو بين زوجته إلهام وولديه زياد ومروان. وفي التاسع عشر من سبتمبر عام 2004 رحل عدوان نهائياً عن الحياة، تاركاً بصمته في كل مكان وفي كل عقل حر وفي نفس كل من عاصره، أثر لا يمكن محوه لا من الروح ولا من العقل. حتى محمود درويش كتب بعد موت عدوان نثريته التي حاول فيها تخليد ذلك المتدفق إبداعاً (كما لو نودي بشاعر أن انهض).

سيبقى ممدوح عدوان ذلك الرجل الذي أنجبته وضحة وأنجبت فيه الثورة الكتيمة لبلاد شهد لها الانهيار وحارب فيها طواحين الهواء. إنه الدون كيخوتي الأخير.

مصدر محمد سليمان، ظواهر أسلوبية في شعر ممدوح عدوان صبحي حديدي، ممدوح عدوان يألفونك فانفر! حوارات، أطياف ممدوح عدوان
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.