ملوكٌ على عروشٍ مزيفة

الأيام السورية؛ فرات الشامي

تنبه العالم متأخراً إلى تأزم الحالة السورية حد اعترافهم بالوصول معها إلى درجة “الاستعصاء”، هكذا يدعي بعض المحللين والمنظرين السياسيين، بل إن حواراتنا مع بعض المحسوبين -سابقاً-على الحراك الثوري السلمي تسمعهم يرجحون انتهاء الثورة؛ ولكلٍّ وجهة نظره فيما يحدث على الساحة السورية.

بينما يراهن البعض على تحولاتٍ في مواقف الإدارة الأمريكية والفرنسية الجديدتين ، معلقين آمالاً كبيرة طرقت باب المبالغة في الوصف، يبدو الشارعَ منقسمٌ بين متفائلٍ ويائس؛ في حين تدور خلف الكواليس صفقاتٌ يفوح منها ريحٌ نتنة!

توقف جبهات القتال، خسارة مساحات كبيرة من أيدي الثوار، معارك هامشية بين فصائل متناحرة وملوكٍ على عروشٍ مزيفة تقتات من الدماء، في غفلةٍ عن الموت المتسلل إلى بيوت فقراء الناس، وتحوّلٍ في المزاج العام الاجتماعي ينذر بالخطر. سورية “تخسر”… أصدق ما يقال اليوم… حتى “سورية الأسد” -المزعومة-لم تعد حاضرة، فالعين على السكين التي تخلّص الجميع، مهما كان الثمن.

مسرحٌ مظلم، ومشاهد بائسة تتقاسمها “الأحزان” و”الأشلاء”، وبعض الراقصين فوق الجماجم، يتلذذون بنبيذ “دماء المساكين”، يطرقون الكؤوس، نخب انتصار، وما من أحدٍ يحرك السؤال الأهم فوق الخشبة:

هل حقاً استفاق المجتمع الدولي على كارثة إنسانية وشيكة؟

سؤالٌ ينفي الشارع السوري أن يكون قد تحقق، بل لا تكاد تجد من بين عوام الناس

من يصدق أن المجتمع الدولي قد استفاق من غيبوبته وانتقل إلى حالة المبادرة واتخاذ خطواتٍ عملية لوقف إراقة الدماء التي ملأت الشوارع، كما امتلأت بالأشلاء…!!

لا نقدم جديداً إذا قلنا بأن الثورة باتت في صفحات التاريخ، في ركن النسيان، وفي زاويةٍ قد تحتاج لوقتٍ حتى ترى شعاع شمس، لم يعد للبدايات “قيمة” إلا “التباكي”، كما لم يعد للماضي السوري إلا الصور للذكرى والتأوه.

فوضى فوق خشبة المسرح… تراجيديا سورية الكل يشارك في صنعها… ولأولِ مرةٍ يختار الممثلون زواياً مختلفة يأدون فيها الأدوار بضجيج يلغي فرصة “التفاهم”…

هنا مجموعة…. في المنتصف أخرى… وثالثة تقف في الجانب الأيسر من خشبة المسرح… في الأعلى شِباكٌ تُحرِك، وأصابع تعزف على أوتار قيثارةٍ وناي حزين.

لا يختلف الأمر بالنسبة للجمهور… طرفٌ يصفق للفئة تلك، وآخر اختار الذهول، والبعض منشغلٌ ببذل الدموع.

جفّ القلم… وانخفض الصوت، وبقي المتنازعون وحدهم فوق الخشبة، كلٌّ يبحث عن “تاج الملك الذهبي”…. والأشلاء تلعن “الخونة”.

يتيه “النص” بين “السياسة” و”الأدب”، كحالنا نحن السوريين، تائهين بلا “وطن”… ترانا فقدنا الوطن…؟! أم أن الوطن فقدنا…؟!

ترانا “دمرناه”، أم دمرته الأطماع…؟!

  • مشتركون بذبح “الوطن” على سرير ادعاء ولائنا “المزيف” له.
  • جميعنا نظر إليه كما يُنظرُ إلى “فريسة”… !! نسينا أنه “وطن”.
  • مغتصبٌ وطننا بملأ إرادتنا.
  • مصلوبٌ كالمسيح.
  • على درب الألم تستمر حكايتنا… وفي الطريق نعثرُ بجثث الصادقين.
  • هل بقي أحدٌ من الأوائل؟!
  • بقيت “الفكرة”… فالثورة لا تزول… قد تخبو لكنها… تصحو على إيمانٍ بحلم.

تلك جزءٌ من حواراتٍ واتهاماتٍ بين “الملوك”… وبقايا “جيل الثورة”.

صوتٌ من مدرجات الحضور يعلو:

((من حوّل الثورة إلى حربٍ على “الجوع”… من حولها لحربٍ على “الإرهاب”… جميعهم أصحاب مصلحةٍ في تحويل “المقتول” إلى “قاتل”… و”السفاح” إلى “بريء”… جميعهم تواطأ في تحويل “المظلوم” إلى “ظالم”… تباً لكم أيها المتواطؤن…)).

وتغمس سكاكينٌ في ظهر المتحدث… يغيب من بين الوجوه…!!

تكاد “سورية” تسقط تحت نعال “ملوكٍ على عروشٍ مزيفة”.

– أكون أو لا أكون… تكون سورية أو لا تكون… تساؤلاتٌ في دوامة المشهد.

وتنطق “سورية”: ((بل سوف أكون… وتَهْزِمُ أبنائي العروشَ المزيفة… لأننا مثل “شكسبير” نؤمن بأنّ: “قلم الكاتب مُقدّس مثل دم الشهيد”… والوطن يحيا بين المقدّس والمقدّس… بين الكتاب والكاتب والحبر والدم والشهيد)).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.