ملك الصرامي العاطفية الطائشة.. الفن واستمرار المأساة

عندما تصبح مهمة الموسيقى هي تجذير إحساسك بالتراجيديا والبؤس أو حتى تأليف كلمات في طبيعتها بهيمية من نوع واحد (عاطفية وساعية لإقناع الإنسان بمهمة واحدة له في الحياة فقط)، عندئذ نعلم تماماً مستوى الانحطاط المجتمعي الذي يعايشه البشر.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

هاني شاكر، أو كما يسموه مبغضوه، ملك الصرامي الطائشة، أو في أحسن الأحوال، ملك التشظي. قد يبدو الحديث عنه في هذا الوقت، أشبه بالحديث عن محاورة جورجياس لأفلاطون، كلاهما لا يغيران شيئاً في الواقع، برغم أن محاورة جورجياس ستبقى قطعة أدبية خالدة بينما هاني شاكر سيندثر عاجلاً أم آجلاً.

لكن ما الذي يدفعنا للحديث عن شخص لا يعرفه الجيل الثاني التكنولوجي، أو في أفضل الأحوال سمعوا عنه؟.

منذ فترة وفي اتصال مع أحد الأصدقاء، سألني ما الذي يدفعني للاهتمام بأشياء لا تهم أحداً، وكان الجواب أصعب من اختصاره حقيقة، ربما مرّد ذلك لطبيعتي النصيّة التي تمارس فضول معرفة أي شيء، وربما نتيجة التخزين الضروري في الذاكرة لمادة أدبية مستقبلاً، لذا فاهتمامي دائماً ينطلق لمعرفة أي شيء، ابتداءً من معرفة ماهية البوزون هيغز إلى الفرق بين الكحلة والآيلاينر؛ وهاني شاكر بالضرورة هو عابر بين هاتين القضيتين السابقتين.

طبعاً لم أكن لأكتب عنه لولا الأغاني التي أصدرها في السنوات الأخيرة المرافقة لحالة الإحباط التي عايشتها الشعوب العربية في ثوراتها. ليس محبة به أو بفنه كما يسميه، بل محاولة اكتشاف مستوى الإنسان الأخلاقي عندما يبيع عقله وروحه من أجل التسويق والثراء.

بالتأكيد ما زال هناك بعض الأشخاص الذين ينظرون لفنه على أنه تحف خالدة، وبطبيعة الحال هؤلاء ما زالوا يعيشون في دائرة من الانغلاق العاطفي الذي لا يستطيع تجاوز وفهم الحياة على أنها أكبر من حياة مشتركة مع شخص أحمق نختاره.

لقد قام هاني شاكر بخطوة مختلفة لصناعة امتداد جديد له في زمن يتسارع ويتجاوز طروحاته. لقد انتقل من عالم الصرامي العاطفية الطائشة إلى عالم صرامي الوطن.

قبل سنوات أصدر شاكر مجموعة من الأغاني، من أمثال “علم بلادي” عن فلسطين، “سلملي على بنغازي” عن ليبيا، “انزل وقول نعم” في زمن السيسي، “نِعم الملوك” التطبيل لملك المغرب محمد السادس، “عراق الصابرين” عن العراق، “رمضان كريم يا حلب” عن حلب؛ وأغاني أخرى كثيرة من ذات السياق.

للوهلة الأولى عندما يُصدم المرء بهذا الكم الهائل من الأغاني الانترناشيونال التي يصنعها شاكر عن دول وأحداث، قد يفكّر للحظة بأن الحكومات والرؤوساء قد طلبوا منه أن يقوم بهذه المهمة، لكن الأمر ليس كذلك أبداً، إنها نزعة فردية للترويج أمام قوة التكنولوجيا الهائلة والمعرفة الثقافية المتاحة لجميع الناس يومياً مما يسبب تلاشي مثل هذا الفن تدريجياً. لقد قام هاني شاكر بخطوة مختلفة لصناعة امتداد جديد له في زمن يتسارع ويتجاوز طروحاته. لقد انتقل من عالم الصرامي العاطفية الطائشة إلى عالم صرامي الوطن.

هل يشعر هاني شاكر فعلياً بالمأساة التي تجري في العراق وفلسطين وسوريا وليبيا!، إن كان كذلك، فكيف يمكن أن نفهم التطبيل للسيسي ومحمد السادس!. كيف يمكن أن تكون متعاطفاً مع قضية بلاد وشعوب وبنفس الوقت تهادن الملوك؟. هنا لا نتحدث عن الفن والموسيقى، بل عن أخلاقية الإنسان والسعي لترويج ثرائه ومكتسباته حتى ولو كانت على حساب البشر.

مشكلة حقيقية عندما يقوم الإنسان بتجزئة التمرّد، فمثلاً رفض الواقع السياسي يجب أن يرتبط برفض كل ملحقاته؛ فمن الغريب جداً أن يقوم شخص برفض النظام السوري، لكنه يستمتع بفن علي الديك، تحت اسم التراث.

إنها صورة مخادعة لنوع من الفنون التي تُروّح عن النفس بالنسبة للأفراد، فالموسيقى بطبيعتها هي شكل من تعديل المزاج الشخصي؛ هذه الطبيعة للفن الموسيقي تجعلها أكثر سلاسة في المخادعة اللاشعورية داخل الإنسان وعقله، إنها لا تغير مزاج الإنسان فقط، بل تغير بشكل لا واعي نظرته للحياة أيضاً، لذا فأخلاقية الفن (الموسيقي خاصة) هي الأساس لمناصرة الناس في أحقيتهم بالحياة؛ فعندما يخرج هاني شاكر بتراجيديا عاطفية متشظّية وبكائية رثائية على ما جرى في الواقع المُعاش، فهو يستخدم آلية لا شعورية للتأثير على الموقف الشعبي لهؤلاء المستمعين له. ذات الأمر ينطبق على أي موسيقى أخرى أو فنان آخر؛ تجاوزاً باعتبار هاني شاكر فناناً.

عندما تصبح مهمة الموسيقى هي تجذير إحساسك بالتراجيديا والبؤس أو حتى تأليف كلمات في طبيعتها بهيمية من نوع واحد (عاطفية وساعية لإقناع الإنسان بمهمة واحدة له في الحياة فقط)، عندئذ نعلم تماماً مستوى الانحطاط المجتمعي الذي يعايشه البشر.

هاني شاكر في النتيجة لم يقدّم جديداً، ثيمة موسيقية واحدة وأغاني تدور حول نفس المعضلة البشرية العاطفية المقيتة، ولو أنه مؤخراً انتقل لصرامي الوطن، لكنها أيضاً ما زالت تدور في حلقة العاطفة المبتذلة للبكاء.

مشكلة حقيقية عندما يقوم الإنسان بتجزئة التمرّد، فمثلاً رفض الواقع السياسي يجب أن يرتبط برفض كل ملحقاته؛ فمن الغريب جداً أن يقوم شخص برفض السيسي لكنه يستمع لهاني شاكر وهو يطبّل للسيسي، تماماً مثل الذي يرفض النظام السوري، لكنه متمسك بفن عمر سليمان أو علي الديك، تحت اسم التراث.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.