ملعقة الفضة.. انهيار ثقافة الطبقة الوسطى

الطبقة المتوسطة لا تلعب الدور الاقتصادي التوازني فقط لاستمرار المجتمع في هيكلية آمنة، لكنها تلعب الدور الثقافي المتوازن للحفاظ على المجتمع من الوقوع في تلك التجاذبات الغيبية والفاشية الفكرية، ومساهماتهم في رفع الشأن المجتمعي كوعي عام.

200
الأيام السورية؛ علي الأعرج

في أحد نقاشات السوشيال ميديا مع أحد المصريين، كان يدافع بشراسة عن وجهة نظر تقول: أغلب المنجزات الثقافية والتي ساهمت بشكل كبير في تطور العلوم والفنون ورفعت مصائر المجتمعات لأماكن حضارية، كان وراؤها الأرستقراطية، ودلل على ذلك ببعض الأسماء التي غيّرت وجه العالم بفترة ما، وبشكل خاص عصر التنوير الأوروبي.

مغالطة جوهرية

بالطبع كلامه يحمل مغالطة جوهرية، وهي عدم فهمه لمعنى أرستقراطية، هو يمتلك خيالاً بأنّ أي رداء مزيّن ببعض الجواهر، أو شعر مستعار، أو بذلات رسمية، فهو عنصر أرستقراطي، لكن لن أتوقف عند هذه النقطة غير المهمة بما يمكن مناقشته في صيغة أبعد من ذلك. فنماذج مثل فولتير، أو تولستوي، حالات استثنائية في التاريخ، كممثلين عن أرستقراطية رفيعة أو طبقة نبيلة، وحتى مصر في عصر الباشاوات، لا يمكن اعتبار مثقفيها أرستقراطية بقدر ما هم طبقة مكتفية وبعلاقات مع الملكيّة. بمعنى أبسط شكسبير كمثال أو دانتي، أو اليازجي أو البستاني أو جبران، لم يكونوا سوى من طبقة متوسطة رغم ارتدائهم هيئة الأرستقراطية السلوكية، وأمثالهم بالآلاف.

بكل تأكيد الأرستقراطية في أي مجتمع قديم ومعاصر ساهمت بشكل طبيعي بخروج أسماء، عملت على تطوير الثقافة والعلوم والفنون، ورفعت من مكانة المجتمعات التي ينتسبون إليها، لكنهم ليسوا قطعاً الفئة الوحيدة، وليسوا الفئة الأكثر، بل الفئة الأقل.

بكل تأكيد الأرستقراطية في أي مجتمع قديم ومعاصر ساهمت بشكل طبيعي بخروج أسماء، عملت على تطوير الثقافة والعلوم والفنون، ورفعت من مكانة المجتمعات التي ينتسبون إليها، لكنهم ليسوا قطعاً الفئة الوحيدة، وليسوا الفئة الأكثر، بل الفئة الأقل.

حلم مشروع اجتماعياً وإنسانياً

لمجرد استعراض سريع في الدماغ ونحن نقرأ سوياً هذه الكلمات، يمكننا التنبّه لعشرات من الأسماء المعروفة عالمياً، بعيداً عن الأسماء الأقل تأثيراً في كل مجتمع، سنلاحظ بشكل بديهي أنّ المساهمين الفعليين بتطوير مجتمعاتهم هم الطبقة المتوسطة التي تطمح أن تكون طبقة أرستقراطية، وهو حلم مشروع اجتماعياً وإنسانياً، لكن لتحقيق ذلك فهم يعيشون سنوات طويلة حالة من الكفاح والصراع والتفكير لتحقيقه، وقد لا يحققون ذلك؛ في عالم اليوم إذا أردنا أن نتأمّل في الخلفيات الاقتصادية لكل فناني العالم، مبدعين، علماء، أدباء، موسيقيين، مفكرو اقتصاد، منظرون، فلاسفة.. الخ، فجميعهم ينتمون لتلك الطبقة، باختلافات اقتصادية طفيفة. إنهم أصحاب الملعقة الفضية.

والعلاقة بين تلك المنجزات وترسيخ الطبقة الاقتصادية بشكل آمن، يساعد المجتمع على النهوض، وانصهارها في طبقتين متباعدتين، بحسب النظريات الكلاسيكية، يؤدي تلقائياً إلى زيادة الجهل المجتمعي وتفشي العنصرية والتفكير الغيبي والانسلاخ عن فهم الواقع والانحسار في بوتقة من الصراعات الجانبية.

الدور الثقافي المتوازن

الطبقة المتوسطة لا تلعب الدور الاقتصادي التوازني فقط لاستمرار المجتمع في هيكلية آمنة، لكنها تلعب الدور الثقافي المتوازن للحفاظ على المجتمع من الوقوع في تلك التجاذبات الغيبية والفاشية الفكرية، ومساهماتهم في رفع الشأن المجتمعي كوعي عام.

في عالم اليوم إذا أردنا أن نتأمّل في الخلفيات الاقتصادية لكل فناني العالم، مبدعين، علماء، أدباء، موسيقيين، مفكرو اقتصاد، منظرون، فلاسفة.. الخ، فجميعهم ينتمون لتلك الطبقة، باختلافات اقتصادية طفيفة. إنهم أصحاب الملعقة الفضية.

عندما نستعرض تاريخاً ما لفهم الأمر، فيمكن الحديث عن فرنسا كمثال في القرن التاسع عشر وثورتها؛ يمكننا قراءة انصهار الطبقة الوسطى لدرجة خلق رؤية دموية سلوكية في تحقيق العدل، بما فيها قادة الثورات الحقوقيين الذين ساهموا بارتكاب مجازر ليس في حق الملكيّة بل في حق أنفسهم بدرجات متفاوتة لاحقاً. كانت عملية انتشار الوعي المتأثر بانصهار الطبقة الوسطى، والتي أدت بشكل طبيعي إلى مفرزات سياسية واقتصادية لاحقاً، خلقت ثورات دموية لم يكن للعقل الثقافي أي دور بها. وبعيداً عن مفرزات الانصهار تلك، التي تخلق انتفاضات شعبية، فإن الحالة التي تكمن في مرحلة تفسخ تلك الطبقات، يؤدي إلى تفسخ الوعي العلمي والفني أيضاً.

انتشار الفاشية الفكرية

بنظرة شاملة على واقع الحال خلال العشر سنوات الأخيرة في الوطن العربي وما رافقه من انتفاضات شعبية، يمكننا استعراض بعض مظاهر الانصهار الاقتصادي ذاك، وتلمّس انتشار الفاشية الفكرية في الطبقة الفقيرة وانجرارها نحو أنماط تصارعية متفسخة في مفاهيم الوحدة والوطن سياسياً، أو حتى مفاهيم اجتماعية من حقوق المرأة والحريات الشخصية، التي كانت محفوظة في عصر كانت الطبقة المتوسطة حاضرة بقوة في أرض المجتمع، يمكننا مقارنة سوريا في الأربعينات وسوريا في الألفية الثانية لنفهم المعنى المقصود، وحتى النخب الثقافية التي تأثرت بذلك الانصهار وأصبح الخطاب غير عقلاني أبداً ويسعى جاهداً ليكون خطاباً انتقامياً ويحمل مقومات التفكير الفاشي والقومي المتشدد والعنصري الديني، حتى لو اختفى وراء قناع الحقوق والعدالة.

من المهم جداً فهم إلى أي مدى ضرورة الحفاظ على الملعقة الفضية لإنشاء مجتمعات تتطور ذهنياً وثقافياً واقتصادياً.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.