مقولة المرأة عدوة المرأة.. عن الفحولة الثقافية في أوساط التيار اليساري والعلماني في سوريا

حين ندعم الحركة النسوية كذكور وكإناث فنحن ندافع عن معتقداتنا وأحلامنا في مجتمع أفضل أما إن رغبنا بتصيّد سلوكيّات بعض النساء كي نسيء لفكرة الحركة ذاتها فباعتقادي أن مردّ ذلك الطربوش الرمزي ما زال يغطي عقولنا.

عمار عكاش

من الصعب وضع تعريف جامع للحركة النسوية، فالحركة تضم توجهات مختلفة، وتختلف في رؤيتها لأساليب مجابهة الاضطهاد الذي تتعرض له النساء في ظل هيمنة الفحولة.

لكننا لو احتفظنا بالرصانة العلمية وحاولنا تحديد التقاطعات بين أطياف الحركة المختلفة، يمكن أن نقول إن النسوية نظرية شاملة عن المجتمع البشري، ترى أن نظاماً بطريركياً يهيمن على العالم؛ يقوم على بنى اجتماعية هرمية تفرز ظلماً واضطهاداً يقع على جميع أفراد النوع البشري.

ويسود هذه البنى مثل أعلى اجتماعي يتمثل في صورة ذكر فحل (فحل جسدياً، واقتصادياً أو فحل يحمي المرأة نفسياً ومادياً)، وتتلاحم مع البنى الهرمية بنى ذهنية وأيديولوجية قهريّة تعزز استغلال النساء والعناصر الأضعف والفئات المهمّشة، وتقوم هذه البنى الذهنية عبر العائلة والمؤسسات التربوية بتشكيل بنية نفسية في الأفراد تضمن ديمومة المجتمع الأبوي.

وعلى صعيد الاقتصاد نجد احتكاراً لقلّة من أغنى أغنياء العالم مقابل بؤس ملايين من البشر (أنوّه هنا أن هذه الرؤية الاقتصادية الجذرية لا تميل إليها جميع الحركات النسوية)، وعلى الصعيد الاجتماعي نجد الكراهية المتبادلة على أساس طبقي أو عرقي أو طائفي الخ..، وعلى صعيد الجنس يتمّ حصر البشر ضمن ثنائيّة جندرية ضيقة تنمّط الذكر والأنثى وتقصي المختلف جنسيّاً سواءً أكان غيرياً أو من مجتمع الكويرQueer. وبذلك تكون النسويّة حركة ذات طبيعة سياسية تسعى لتحقيق تغيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية وتربوية وقانونية في المجتمعات البشرية.

لو احتفظنا بالرصانة العلمية وحاولنا تحديد التقاطعات بين أطياف الحركة المختلفة، يمكن أن نقول إن النسوية نظرية شاملة عن المجتمع البشري، ترى أن نظاماً بطريركياً يهيمن على العالم؛ يقوم على بنى اجتماعية هرمية تفرز ظلماً واضطهاداً يقع على جميع أفراد النوع البشري.

إن أردنا نقد النسوية، يمكننا أن نوجه نقداً لخطابها ونقداً لأساليب عملها، أو يمكن أن ننقد ممارسات عضواتٍ وأعضاءٍ في الحركة النسوية إن كانت تتناقض مع معتقدات الحركة، فمن الثابت تاريخياً أن الحركة النسوية ساهمت في نضالاتها في كثير من المجتمعات في انتزاع حقوق المرأة واقتحامها الفضاء العام الذي كان حكراً على الذكور. لكن إن نظرنا إلى النقد الذي يوجهه قسم غير قليل من اليساريين والعلمانيين السوريين مع ظهور الحركات النسوية، لوجدنا نقداً طفولياً ساذجاً يقوم على تصيّد ممارسات نساءٍ بحق نساء كدليلٍ على أن المشكلة ليست في بنية ذكورية أبوية أو يريد إثبات أننا “نحن الذكور مظلومون بهجومكم علينا يا نسويّات”،(كلمة نسويّات هنا تبدو في وعي المتحدث المكافئ الفصيح للتعبير العامي: نسوان).

لديّ هنا تعليقان:

أولاً: كلمة نسوية لا تعني النساء، بل تعني ما أشرت إليه في الأعلى وهي أساساً كلمة مترجمة وتعني حرفياً الأنثويّة Feminism، ويمكن أن تضم الحركة أي إنسان مؤمن بالحركة بغض النظر عن جنسه، فهناك رجال نسويّون.

ثانياً: لا تقتصر الحركة النسويّة في أدبياتها على الحديث عن ممارسات ذكورية للرجال، بل تتحدث عن كل ما تسببه التربية الذكورية من تشوهات بين الإناث من حيث استرضاء بعض النساء للذكور كأنهم مركز الوجود، والتنافس بينهن في معايير الشكل والجاذبية، وقدرتهن على جذب الذكور، وما إلى ذلك من تشوهات نشاهدها في مجتمعات الشرق الأوسط، وهي تعتبِر هذه المسائل من مفرزات المجتمع الأبوي، لذا فحين ننقد ممارسات نساءٍ تجاه نساء كي ندلّل على براءة الذكور، فالأمر يشبه أن ننقد صراع ضرّتين على زوجهما ونقول:” لماذا تتصارعْن عليه بدل أن تدركن أنه ذكوري؟ إذاً النساء عدوات النساء”.

ويتخذ هذا النقد أحياناً شكل دراساتٍ نظرية بائسة تصدر عن مختصين في العلوم الإنسانية، مثل الحديث عن تنمّر نساء على نساءٍ أخريات في سياق إثبات أن الخلل في المرأة، وفي حالات أخرى ذكر أمثلة طريفة من عالم تجارة الجنس حيث تجنّد القوادات الفتيات بأعمار صغيرة للعمل!، وكأنّ الظروف كلها توفرت لزوال هذه السلوكيّات، والمشكلة تتعلق فقط بالتفكير الذاتي للمرأة!.

لا تقتصر الحركة النسويّة في أدبياتها على الحديث عن ممارسات ذكورية للرجال، بل تتحدث عن كل ما تسببه التربية الذكورية من تشوهات بين الإناث من حيث استرضاء بعض النساء للذكور كأنهم مركز الوجود، والتنافس بينهن في معايير الشكل والجاذبية، وقدرتهن على جذب الذكور.

كثير من هذا النقد يأتي من ذكور علمانيين ويساريين من المفترض أن يكونوا من أكبر الداعمين للمرأة. أعتقد أن جوهر المشكلة يكمن في أنّ قسماً من هؤلاء الذكور نصف المتحررين إن صح التعبير (أو المتحررين وفق شروطهم القبليّة والطائفية) حين يقومون بتوجيه مثل هذه الانتقادات فالسبب أنهم يتحسسون من فقدان دورهم كذكور مميّزين يقومون بتوعية النساء، وتعليمهنّ أصول التحرر، وليس أدلّ على ذلك من شيوع فكرة الذكر الذي يرتبط بأنثى ويساعدها كي تتحرّر، سادت هذه الفكرة في أوساط يسارية وعلمانية في المجتمع السوري منذ الثمانينات ولا تزال موجودة نسبياً، وغالباً ما كان الأمر ينتهي إما بتغيّر بسيط في الأنثى يجعل الذكر المتحرر يشعر ببطولته وإنجازه (بعبارة أخرى فحولته الثقافية)، لكن يجب أن يبقى هذا التحرر ضمن الحدود التي رسمها الذكر، فإن تخطتها الأنثى تبدأ المشاكل في العلاقة وقد ينتهي الأمر بالانفصال. غير أن الحالة الأكثر شيوعاً هي ارتباط الذكر “المتحرر” بأنثى تقليدية ترى في الذكر العلماني أو اليساري شخصاً مثقفاً جيد المعاملة مقارنةً بغيره من الرجال فتقوم بمسايرته ريثما تتزوجه وتردّه إلى جادة الصواب، فينتهي الزواج بعد فترة قصيرة إما برضوخ الذكر لكثير من الأمور (كأن لا يشرب الكحول في منزل الزوجيّة، وأحياناً المسايرة في صيام رمضان) لأنه لن يتحمل الشجار المستمر أو ما يسميه النقّ والنكد (وهو سلاح سلبي طورته الأنثى نتيجة القمع الذكوري الأبوي). وينتهي الأمر إلى تكوّن عالمين للرجل:

أ/ عالم المنزل الذي تتحول المرأة فيه إلى قطعة أثاث، وأداة للطبخ والعناية بالأطفال. في هذا العالم يحصل الرجل على الجنس والخدمة اليومية ويشعر بالأبوّة.

ب/ عالم ما خارج المنزل: ويضم الرجل ومجموعة من أصدقائه الذكور”المتحررين” والعشيقات.

الحركة النسوية في سوريا تحديداً مثل كل الحراك السياسي والتجمعات الشبابية، حركة حديثة العهد، ومن الطبيعي أن نجد في الحركة عدداً من الوصوليات والانتهازيات، وحتى المنتفعات مادياً.

وفي العقد الأخير تحديداً تمكنت الحركات النسوية في الشرق الأوسط من الوصول إلى أعداد أكبر من النساء خاصة مع ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وما خلقه الربيع العربي من فضاءات جديدة، وفي حالات خاصة مثل الحالة السورية لعبت أجواء الحرب والمنافي الأوربيّة دوراً في زيادة المساحة المتاحة للمرأة واستقلاليتها مما ساهم في زيادة ثقة المرأة بنفسها وتعبيرها عن حاجاتها وتطلعاتها، بدأ هنا بعض الذكور “المتحررين” يشعرون بانزعاج كبير لأن الإناث بدأن بتشكيل خطابهنّ، ولم تعدن بحاجة إلى وصاية ذكورية، وخسر الذكر دوره كفحل ثقافي صانع لخطابهنّ. فراح هذا الفحل الثقافي يتحفنا بشتى أنواع التعليقات الشعبوية الساذجة مثل: “التحرر مو باللبس، فهمانين التحرّر غلط، التحرر مو أنو المرأة ما تحترم زوجها…”، وهي تحمل في باطنها شعور الذكر بتهديد لمكانته السابقة، فكيف له أن يستمتع بشعوره بأنه ديك التحرر في قنّ الدجاجات المتخلّفات البائسات. ولعلّ أكثر عبارتين توجزان هذه العقلية هما:” المرأة عدوة نفسها”، و”يمكن أن تساعد كذكر شريكتك على التحرر”. الجملة الأولى تشبه من يفسر الماء بالماء، والثانية فكرة أبوية لا تحترم مفهوم الشراكة في العلاقة.

وأختم بالقول إن الحركة النسوية في سوريا تحديداً مثل كل الحراك السياسي والتجمعات الشبابية حركة حديثة العهد، ومن الطبيعي أن نجد في الحركة عدداً من الوصوليات والانتهازيات، وحتى المنتفعات مادياً، لكننا حين ندعم الحركة النسوية كذكور وكإناث فنحن ندافع عن معتقداتنا وأحلامنا في مجتمع أفضل أما إن رغبنا بتصيد سلوكيّات بعض النساء كي نسيء لفكرة الحركة ذاتها فباعتقادي أن مردّ ذلك الطربوش الرمزي ما زال يغطي عقولنا.


عمار عكاش، كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.