مقره يذكر بمبنى برلمان تشاوشيسكو… المجلس النيابي اللبناني ممنوع على المواطنين

بقلم: طوني فرنسيس

ينقلنا الكاتب طوني فرنسيس في مقالته هذه إلى عوالم مجلس النواب اللبناني، عمرانيا، وتاريخيا، وسياسيا، في مقارنة طريفة بينه وبين مبنى برلمان تشاوشيسكو في بوخارست، في رومانيا؛ لندخل من وراء ذلك إلى بعض من الخفايا والممارسات التي تلفت النظر إلى أهمية أن يحتج المتظاهرون في لبنان منذ أيام، أمامه وعليه، ولكي نتعرف على كلّ ذلك؛ نقرأ معًا...

يحتلُ مقر مجلس النواب في لبنان موقع المركز بوسط بيروت، بُنِي أيّام الفرنسيين على أطلال آثار رومانية وبيزنطية، ولدى توسيعه وإضافة مبنى للنواب إلى جانبه اكتشف العمّال مزيداً من الآثار أسفل المبنى، جرت حمايتها بسطح زجاجي عند نفق يصل مكاتب النواب بالمبنى الرئيسي، حيث يجتمع هؤلاء في جلساتهم التشريعية التاريخية المُفترضة.

بين الآثار المُكتشفة أسفل المجلس لوحة فسيفساء يُعتقد أنها تشير إلى نقطة مركزية، قد تعني مركز بيروت الرومانية أو مركز الإمبراطورية، أو حتى مركز العالم المعروف في ذلك الزمان، والمُذهل أن أكثرية السادة نواب الشعب اللبناني لا يكترثون لتلك البقايا الأثرية الخطيرة، وهذا طبيعي، فبين من أعرفهم من النواب صادف أن واحداً شبه مستقل كان مهتماً بما هو مخبوء أسفل مجلسه، فيما الأكثرية الساحقة غير مهتمة باعتبار أن زعيمها يعرف بالأمر، وكفى الله النواب شر المعرفة.

والواقع، أن مجلس النواب اللبناني يتوزّع على نحو ستة أشخاص يتناوبون على زعامة طوائفهم، وغالبية الناس تعجز عن تسمية ما يزيد على أصابع اليد الواحدة من النواب الذين جاء بهم هذا الزعيم أو ذاك، وهؤلاء “القادة” يتولون استحضار طوائفهم عند الحاجة وإعطائها استراحة في مناسبة ثانية، وعند الاستحضار يشتد التوتر مع طوائف أخرى، أمَّا الاستراحة فتعني أن اتفاقاً تم فلا حاجة إلى توتير جديد، سيُستدعى في الوقت المناسب.

اتهم رئيس التيار الموالي لرئيس الجمهورية الوزير جبران باسيل رئيس المجلس النيابي نبيه بري، وهو واحدٌ من الستة المذكورين بأنه “بلطجي”، فوافاه برتل من سائقي الدراجات النارية حاولوا إحراق مقر تياره.

استفاد الطرفان من الواقعة: الأول كمدافع عن حقوق المسيحيين، والثاني (بري) كحامٍ لحقوق الشيعة، وبعد قيل وقال اتفق الاثنان على ضرورة استمرار “الحوار” بينهما.

والواقع، أن بري الذي يحتل منصب رئيس مجلس النواب منذ عهد جورج بوش الأب (1992) تمكَّن من الإمساك بالحياة السياسية البرلمانية اللبنانية منذ ذلك الحين بسبب تضافر مجموعة من العوامل أكثرها خارجي، فالرجل صرح في السابق بأنه ضد احتكار السلطة، ونادى أكثر من مرة بضرورة تداولها، خصوصاً أنه أسس حياته السياسية على مبدأ مناهضة الإقطاع السياسي المحلي (آل الأسعد خصوصاً)، لكنه أمضى في القيادة سنوات أكثر من هؤلاء، وأصابه من الثراء، حسب مزاعم خصومه، ما لم يَصْب أي وجيه سابق من أبناء جبل عامل، وحتى الآن ما زال الغموض يكتنف إمكانية الحديث عن خلف له في قيادة التشريع اللبناني، واللبنانيون إذا اضطروا للتفكير في أمره، حالهم كحال الكوريين إذا سُئلوا عن خلف كيم جونغ إيل، أو السوريين لو سُئلوا عن خلف حافظ الأسد قبل أن يسترد الله وديعته.

استفاد الرجل من صعود الإمام موسى الصدر والحضور الفلسطيني قبل أن يتحوّل إلى حليف النظام السوري الأول في الطائفة الشيعية، وانتهى الاشتباك السوري الإيراني في لبنان (نهاية ثمانينيات القرن الماضي) إلى تكريسه طرفاً ثانياً إلى جانب حزب الله على رأس الطائفة والبرلمان، حيث فرض مقاييسه وشروطه ومملكته.

حوَّل الرئيس بري البرلمان ومحيطه إلى نوع من ملكٍ خاصٍ، أقفلت المداخل وأقيمت السواتر ومنع على المواطنين الاقتراب.

بات مشهد مبنى البرلمان اللبناني يشبه مبنى برلمان تشاوشيسكو في بوخارست، قلعة مقفلة لا يسعك النظر إليها إلا من بعيد، أحيانا قد نجد مبرراً لمثل هذه التدابير، خصوصاً في ظروف مواجهة الاٍرهاب وأعمال التخريب، لكن في الأيام العادية سيبدو الأمر مستهجناً.

منذ سنوات وساحة المجلس التشريعي مقفلة، وبنتيجة ذلك أقفلت عشرات المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي في محيطها، ما أوقع خسائر بملايين الدولارات كان يُمكن أن تُسهم في تحريك الوضع الاقتصادي والاجتماعي، ومع ذلك لم يتخذ أي تدبير لإعادة ساحة البرلمان إلى الشعب اللبناني بهدف إدخالها في دورة الحركة الاقتصادية والاجتماعية الطبيعية.

على العكس من ذلك انطوى رئيس المجلس على قلاعه مع اندلاع انتفاضة اللبنانيين ضد القوى السياسية، ومثله تقريباً فعل آخرون من نادي الزعامات القابضة على السلطة، وعندما حاول المنتفضون الذهاب إلى ساحة نوابهم وُجِهوا بقمع شديد قادته في وجههم مجموعات خاصة يشرف عليها رئيس هؤلاء النواب وتتبعه شخصياً.

إلا أن ما ثبت لدى اللبنانيين المنتفضين كان أقسى من ذلك، إذ لم يستنكر النواب السعداء بمناصبهم القمع الذي أصاب ناخبيهم، ولَم يطلبوا فتح الساحات مثلما لم يتجرؤوا على الدعوة إلى محاسبة ميليشيا المجلس التي تلاحق المواطنين في الشوارع، ولا غرابة في ذلك، فمن حظ هؤلاء أن الشعب يجهل أسماءهم، لكنه يعرف قادتهم.


طوني فرنسيس، إعلامي وكاتب ومحلل سياسي لبناني.

مصدر  المقال منشور في موقع اندبندنت بتاريخ 16 كانون الأول/ ديسمبر 2019
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.