مقبوسات من كتاب “حيونة الإنسان” للشاعر السوري ممدوح عدوان

مجتمعات القمع، القامعة والمقموعة، تولّد في نفس كل فرد من أفرادها دكتاتورا، ومن ثمّ فإن كل فرد فيها ومهما شكا من الاضطهاد يكون مهيئاً سلفاً لأن يمارس هذا القمع ذاته الذي يشكو منه، وربما ما هو أقسى وأكثر عنفاً على كل من يقع تحت سطوته.

اختيار: فاديا حج فاضل
الكاتب ممدوح عدوان المصدر مجلة رمان

1/ نحن لا نتعود يا أبي إلا إذا مات شيء فينا، وتصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على كل ما حولنا.

 

2/ حين تتفاقم الأمور فإن السلطات تتراجع، يصبح رجل السلطة أمام خيارين، إما الاستسلام للإرادة الشعبية وإما محاولة قتل الشعب كله.

3/ مجتمعات القمع، القامعة والمقموعة، تولّد في نفس كل فرد من أفرادها دكتاتورا، ومن ثمّ فإن كل فرد فيها ومهما شكا من الاضطهاد يكون مهيئاً سلفاً لأن يمارس هذا القمع ذاته الذي يشكو منه، وربما ما هو أقسى وأكثر عنفاً على كل من يقع تحت سطوته.

 

4/ عندما يُسحق الانسان إلى درجة حرمانه من أشيائه الصغيرة والعادية في حياته اليومية، عندما يوضع في أمكنة لا تنتمي إليها روح الانسان ويُجرّد من كل شيء حتى من اسمه ويتحول الى رقم، فيما بعد يشعر لحظة استعادته لأبسط الاشياء أن الأقدار عادت لتبتسم له وتدب في خلاياه دماء الحياة.

 

5/ حين تسكت عن حقك الواضح، بسبب الخوف غالباً، فإنك لن تتوقع من الآخر أن يحترم لك هذا الحق، سيتصرف في المرة القادمة وكأن التطاول على حقوقك من المسلمات.

 

6/ إن من أبرز أساليب الإعداد للحرب الأهلية إقناع كل طرف أن الطرف الآخر، أو الأطراف الأخرى، خطر على الوطن أو الدين أو المجتمع.

 

7/ ونحن ما نزال نبحث عن حيوانات تصلح للتشبيه: قوي كالثور أو كالحصان، غادر كالذئب، ماكر كالثعلب، أمين كالكلب، أليف كالهرة، صبور كالحمار، عنيد كالبغل، قبيح كالقرد، كبير كالفيل.. ولكن ظل الحيوان الآخر آكل اللحوم المتلذذ بالتعذيب والقتل والتقتيل والتمثيل بالجثث من دون اسم.

 

8/ مجتمعات القمع هي المجتمعات التي تضع هدفها أنه لا بد من أن يتغير شيء ما في الانسان لضمان انصياعه التام والدائم.

 

9/ يريد المُضطهِد أن يقمع شيئاً محددا في المُضطَهَد هو جوهر حياته، أو أحد أهم المستلزمات لحياته، لأنه يريده نصف حي. النصف الاخر “الزائد” هو الإرادة أو الحرية والكرامة.

 

10/ ألم الضرب.. لا مجرد الألم الموضعي للضربة.. إنما ألم الإهانة. حين تحس أن كل ضربة توجه إلى جزء من جسدك توجه معها ضربة أخرى إلى كيانك كله، إلى إحساسك وكرامتك، ضربة ألمها مبرح لأنها تصيب نفسك من الداخل..

 

11/ الضرب، حين يتحول المضروب إلى أنقاض إنسان مذعورة، أنقاض تتألم. وبوعي تحس نفسها وهي تتقوض إلى أسفل. وبإرادتها الخانقة تمنع نفسها من أن ترد، ويتحول فيها الضارب إلى أنقاض إنسان من نوع آخر وكأنه إنسان تهدم إلى أعلى، يسعده الألم الذي يحدثه في ابن جنسه، ويستمتع بإرادة. وبإرادة ايضا يقتل الاستجابة البشرية للألم في نفسه فلا يكف إلا ببلوغ ضحيته أبشع درجات التهدم والتقوض، وبلوغه هو أخس مراحل النشوة المجرمة.”

 

12/ إن الذي حول الوحوش الضارية إلى مخلوقات مسلية في السيرك، وجعل الفيلة تقف على رؤوسها، والأسود تقفز كالبهلوانات، قد اكتشف أنه يستطيع أن يجري التحويل نفسه على الإنسان، حوله إلى مخلوف مسلوب الإرادة.

 

13/ ولنتذكر أن المخيلة البشرية والرؤوية الدينية استطاعتا أن تقدما أكثر من صورة رهيبة ومخيفة للعذاب في جهنم، ولكنهما لم تقدما صورا مغرية عن سعادة الجنة.

 

14/ إن الإنسان بطبيعته ميال إلى رفض الإذلال، ولذلك فإن المهان الذي لا يستطيع رد الإهانة يجب أن يصرفها مثل الفيتامين سي الزائد في الجسم، وهو حين لا يستطيع ردها من مصدرها لابد له من أن يصرفها باتجاه آخر (كأن يبكي مثلاً)، إلا أن الشائع هو التصريف نحو من يستطيع أن يتجبر عليهم.

 

15/ الإنسان الذي غرست أنظمة القمع خوفا عريقا في نفسه يشجع كل من حوله على التطاول عليه، كما أنه يعرف هو نفسه كيف يستغل الفرصة للتطاول على الآخرين حين يرى تلك الفرصة سانحة.”

 

16/ ليس هناك قدر محتوم على البشر أن يتحولوا إلى جلادين وضحايا، ولكن أنظمة القمع والاستغلال هي التي تريد إبقاء البشر عند مرساة الحيوانية الغريزية الأولى، وحين يحاولون الخروج من هذه الشروط تثبتهم فيها أو تنزلهم إلى ما هو أحط من الحيوانات من خلال القسر وبأدوات بشرية تتحول هي الأخرى إلى ما هو أحط من الحيوان، فتثبت نظرتها العرقية الفوقية إلى العنف الوحشي لهؤلاء الناس الذين لم يتجاوزوا مرحلة الحيوانية.

 

17/ باسم النظام يتم توليد الخوف، وبفعل الخوف يتم فهم النظام نفسه.

 

18/ الذين يفرضون التعذيب يريدون أن يحققوا ما هو أكثر من ذلك، يريدون أن يوصلوا الضحية إلى أقصى حالات الضعف والألم ومن ثم التذلل، وحين يفشلون يخيب أملهم، وهذا الفشل إما ينجم عن الضربة القاتلة الخاطئة التي يضربها الجلاد، وإما أن ينجم عن قرار الضحية واختياره الموت.. الموت بلا توجع وتذلل. ولعل “الطريف” في مسألة التعذيب، إن كان في هذا الأمر ما يمكن وصفة بالطرافة، هو أن من أصول لعبة التعذيب أن يتقن الجلاد عمله فلا يتسبب في موت الضحية، الموت الداخلي هو المطلوب وليس الموت الخارجي والجسدي.

 

19/ ومشكلة المشكلات أن هذا كله يتم تحت شعارات براقة من الإخاء والتكاتف الاجتماعي والتعايش بين فئات تخفي كل منها الكراهية العمياء للفئات الأخرى، ويتحين كل منها الفرص للانقضاض على الفئة الأخرى والفتك بها، إنها التقية العامة والباطنية الخاصة بالمجتمعات المقموعة والمهزومة في آن، وازدواجية مريعة بين الظاهر والباطن، الجميع يقولون الكلام الجميل الذي يتضمن المجاملة والتضامن والتعايش الاخوي، والجميع يخفون الأحقاد المبطنة والنيات المبيتة.

 

20/ وإذا نظرنا إلى الجانب الأفضل من الإنسان وتاريخه نستطيع أن نستنتج أن تاريخ “تطور” البشرية هو تاريخ محاولات الإنسان للابتعاد عن هذا الوحش الكامن في أعماقه، أو عدم السماح له بالنمو على أمل التوصل إلى التخلص منه نهائيا. وهذا الوحش الذي صار قابعا في الأعماق مشكله أساسية من المشكلات التي حاول رجال الفكر والأدب معالجتها، والتي حاولت الأديان ترويضها بالدعوة إلى التسامح والمحبة والإخاء.

غلاف كتاب حيونة الإنسان لممدوح عدوان
مصدر ممدوح عدوان، حيونة الإنسان
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.