مقاهي الذكريات الدمشقية: النوفرة والهافانا

عالمٌ يموج بين اللهو والثقافة، بين الترفيه والاجتماع برفقة الأصحاب على مائدةٍ صغيرة، ونرجيلةٍ، تنفث معها الهموم، هل سبق وزرت مقهى النوفرة أو الهافانا في دمشق؟

الأيام السورية؛ هديل الشامي

حكاية المقاهي في دمشق حكايةٌ عريقةٌ تمتدّ جذورها إلى أعوامٍ مضت في زمنٍ لعلّه كان الزمن الأجمل؛ حيث كانت تلك المقاهي تحتضن كبار الأدباء وشخصياتٍ هامة؛ لها دورها في عالم السياسة والفن أيضاً.

ومن أهمّ المقاهي في دمشق “مقهى النوفرة” ومقهى الهافانا”، اللتين تعتبران مركز استقطاب ٍ للسيّاح من جميع أنحاء العالم.

مقهى النوفرة هي المقهى الأكثر عراقةً وقدماً في دمشق حيث يعود تاريخها لأكثر من 500 عامٍ.

عُرف مقهى النوفرة بعمارته العريقة إضافةً لموقعه الفريد، حيث يطلُّ على الجهة الخلفية الجنوبية للجامع الأموي؛ الذي يعتبر أسطورة الماضي والحاضر.

سُميّ بمقهى النوفرة نسبة لـ”النافورة” التي كانت تتدفق بارتفاع 4 إلى 5 أمتار في بحرةٍ مجاورةٍ للمكان، حيث كان يغذيها “نهر يزيد” المتفرّع عن الضفة اليسرى لنهر بردى، إلا أنّ هذه النافورة توقّفت عن التدفق بعد أن توقف هذا النهر عن تغذيتها.

لمقهى النوفرة تاريخٌ حافلٌ بعبق الذكريات، حيث يتجدد الماضي والحاضر حين يدخل الحكواتي ليقص أروع قصصه على مسمعٍ من أبناء سورية، وكذلك السياح الذين جاؤوا من كلّ حدبٍ وصوبٍ، وقد حافظ مقهى النوفرة على وجود الحكواتي حين استبدلت الكثير من المقاهي التلفاز بالحكواتي، واستغنت بذلك عن تراثٍ جميلٍ حافظ عليه مقهى “النوفرة”.

ولارتشاف كأسٍ من الشاي الخمير هناك مذاقٌ يحلو كما تحلو الهمسات والكلمات والحكايا.

الصور المعلقة على جدران المقهى من الداخل؛ تعود بك نحو ذكرياتٍ تحتاج أن تعيشها ربما… أن تكون جزءاً من زمنٍ مضى، ليفوح عبق الماضي ممزوجاً بشيءٍ من الحنين.

صورة تظهر الحكواتي في القسم الداخلي لمقهى النوفرة – orientalistica

الوجوه النسائية لا تغيب عن الوجود في مقهى النوفرة، حيث يعمُر المقهى بوجود النساء وربما الأطفال، الذين تغمر وجوههم البسمة حيناً والدهشة أحياناً أخرى؛ بما يضفيه وجود الحكواتي من مرحٍ وسعادةٍ بالإضافة إلى طريقته في سرد القصص، أمّا عصاه التي لا تفارق يده، وحملقته في كتابه أثناء القراءة وشدّه الحضور للإصغاء بفنٍّ وحرفيةٍ إبداعٌ بطعمٍ آخر.

أمّا مقهى الهافانا الذي يعود تاريخه لعام 1945، للقهوةِ فيه لذةٌ خاصةٌ، حيث ترتشفها قربياً من نافذة زجاجية تطلّ على وسط المدينة دمشق، وربما ترتشفها ناظراً بعينيك إلى شخصيةٍ محببةٍ علّ الشخصية شاعرٌ أو أديبٌ أو سياسيٌ.

مقهى الهافانا – موقع المغترب السوري

حيث كانت ترفد هذا المقهى وجوهٌ سوريةٌ كـ الشاعر والأديب ” محمد الماغوط” وكذلك وجوه عربيةٌ كـ الشاعر “صافي النجفي” المقيم في دمشق، والشاعر الكبير “محمد مهدي الجواهري” “عبد الوهاب البياتي” وكوكبةٌ أخرى من أمراء الأدب.

وارتاده الكثير من الفنانين العرب “فريد شوقي”، “محمود المليجي” وغيرهم الكثير من أعلام الفنّ والمسرح.

“الهافانا” هو حضن دمشق الصغير لكلّ من أحبّها وأتى إليها ليضيف على سحرها شيئاً من البسمة والثقافة والأدب.

شهد مقهى الهافانا أحداثاً هامةً في تاريخ سورية، ومن هنا منبع العراقة والأصالة، حيث احتضن هذا المقهى المؤتمر التأسيسي الأول لحزب البعث العربي الاشتراكي سنة 1947.

ذكره الصحافي الراحل المعروف “عبد الله الشيتي” عن حوادث طريفة جرت في مقهى الهافانا، ومنها أنّ الكثيرين من الشبان “المتأدّبين الجدد” ممن أدركتهم حرفة الأدب؛ كانوا يتسابقون للجلوس في الهافانا، ليس لتدخين النرجيلة أو قراءة الصحف المحليّة والعربيّة، وإنما من أجل أن يسمع أحدهم اسمه عبر ميكروفون المقهى؛ حيث ينادي عليه النادل المكلّف بوظيفة «مذيع»؛ وكان المنادى اسمُه يشعر بالزهو وهو يسير بين رواد المقهى، وحقيقةُ الأمر أنّ الواحد من أدباء الظل كان يكلّف أحد معارفه أن يتصل بالمقهى ويسأل عنه باسم الشاعر أو الناقد الكبير.

في مقهى الهافانا يمتزج عبق الماضي بالحاضر القريب، فتسكن النفس لشيءٍ من الراحة.

هي المقاهي الدمشقيّة تفوح عبقاً من ذكريات الماضي… وهذه بعض سطورٍ تبوح باشتياق أنثى لمقاهٍ هناك في دمشق، لمقهى “النوفرة” خصوصاً … حيث تركت بعضاً من ذكرياتي هناك… حيث كانت تحلو الكلمات والحكايات، كما تروق الذكريات الآن.

https://www.youtube.com/watch?v=3HFWaPMCKQU

مصدر الشرق الأوسط الجزيرة مقهى الهافانا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.