مقاربة أولية حول مفاهيم التطوع

أما الوضع الحالي الذي تغيب فيه ثقافة التطوع، وتنعدم برامج التأهيل، وتوصد أبواب الترسيم والتنظيم فهو الذي تعاني منه دولنا وشعوبنا، ولا بد من الإسراع في تغيير هذا الواقع بتعاون وتكامل حكومي شعبي؛ لأن الفوائد من وراء ذلك عظيمة ودوائرها واسعة..

355
الأيام السورية؛ كفاح زعتري

يشكل العمل التطوعي شراكة تجمع بين أفراد يحملون على عاتقهم مسؤولية الرعاية والتنمية الاجتماعية، سواء بالرأي أو بالعمل أو بالتمويل أو بغير ذلك من الأشكال. فتكاتف فريق المنظومة التطوعية يشكل خلية تتجسد فيها أبلغ معاني التعاون من أجل النهوض بمكانة المجتمع.

في التعريف

يشير تعريف تقني أكاديمي للتطوع: “هو تخصيص وقت وجهد، بشكل إرادي حر، ودون الحصول على أرباح مادية، لمساعدة الآخرين والإسهام في تحقيق النفع العام / الصالح العام”.

ولعل قيمة هذا التعريف ترجع في أحد أبعادها إلى توسيع معنى التطوع ليضم أشكالاً متعددة من التطوع لا تقتصر فقط على أشكال التطوع النظامي داخل منظمات لها إطار مؤسسي وقانوني، وإنما تشمل أيضًا أشكال التطوع غير النظامية والتي تتم بشكل تلقائي، وفي إطار لا ينظمه القانون في بعض المجتمعات المحلية.

ومن هنا فالتطوع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإطار الثقافي والاجتماعي القائم فيه وبمدى ترسخ “ثقافة التطوع” فيه والتي تعني “مجموعة من القيم والاتجاهات والممارسات، التي تحث على التطوع وتدعمه وتعلي من قيمة السلوك التطوعي”.

وثقافة التطوع بهذا المعنى تعد محصلة لعملية تنشئة اجتماعية طويلة تتم عبر وسائط التنشئة المختلفة (الأسرة، المؤسسة التعليمية، المؤسسة الدينية، وسائل الإعلام، الأحزاب السياسية، الجماعات المهنية، النوادي الاجتماعية والرياضية).

يشير تعريف تقني أكاديمي للتطوع: هو تخصيص وقت وجهد، بشكل إرادي حر، ودون الحصول على أرباح مادية، لمساعدة الآخرين والإسهام في تحقيق النفع العام / الصالح العام.

تأصيل مفهوم التطوع في الفكر الإسلامي

العمل التطوعي هو “تقديم الفرد باختياره وقته وجهده وماله وفكره لتحقيق أهداف تخدم وتنمي الفرد والمجتمع في مجالات متعددة”، وعلى المستوى المؤسسي هو “تقديم منظومة مؤسسية تطوعية جهودًا بشرية وعلمية ومالية وفكرية؛ لتحقيق أهداف تخدم وتنمي العالم وتدافع عن حقوق البشر وكوكب الأرض في المجالات المختلفة”، وعند التأمل نجد لهذا المفهوم تأصيلاً أساسيًّا في إسلامنا.

فالله تعالى يقول في سورة الحج الآية 77: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

ويقول تعالى في سورة الأنبياء الآية 73 (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ).

ولا يخفى بعد الربط بين العبادات وفعل الخيرات الذي يفتح الباب على مصراعيه لكل عمل فيه خير، ونجد تأكيد ذلك مع ضرب الأمثلة في حديث رسول الله حيث يقول: (كل سلامى من الناس عليها صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فيحمله عليها متاعه صدقة… ويميط الأذى عن الطريق صدقة).

وفي حديث آخر ورد قوله: (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الظلال لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة).

العمل التطوعي والفطرة الإنسانية

مما ينبغي الانتباه له أن للعمل التطوعي أبعادًا وجذورًا إنسانية مشتركة تتعلق بالفطرة الإنسانية، وعمادها عاطفة الرحمة والشفقة وطبيعة المشاركة والمواساة، ولا ننسى أن للتطوع صلة وطيدة بالناحية الاجتماعية؛ فالإنسان مدني بطبعه ويحب العلاقات ويميل إلى المشاركة في الخدمات، كما أن التطوع يشبع حب الذات والقدرة على الإنجاز.

الوطنية والعمل التطوعي

تشكل الوطنية عاملاً مؤثراً؛ لأن الفرد يحب خدمة وطنه ويسعى لتقدمه وعلاج مشكلاته ويشعر بالتحدي في مجال التنافس بين الدول والمجتمعات في ميدان التقدم، لا سيما وأن التطوع وفاعلية المجتمع المدني دخلت ضمن المعايير المعتمدة دوليًّا في تقييم الدول وتقدمها، وفي عالم ثورة الاتصالات والقرية الواحدة نجد نقل التجارب والاستفادة من الخبرات سمة ظاهرة للمجتمعات الحية والنخب الفاعلة، وخاصة الجيل الجديد من الشباب والشابات.

إننا فقراء في المؤسسات ومتأخرون في التدريب ومشغولون عن الثقافة والوعي، ونحتاج إلى توحيد الجهود لتلافي ذلك والانطلاق إلى آفاق أرحب وأقوى، والأمل في شبابنا كبير.

بناء ثقافة التطوع

إننا في حاجة ماسة إلى تسويق مفهوم التطوع ودعم المتطوعين، وتوسيع دائرة مؤسسات المجتمع المدني كمًّا ونوعًا؛ ولتحقيق ذلك لا بد من العمل في ثلاثة محاور:

أولها: المحور الثقافي المعرفي: فلا بد من إشاعة ثقافة التطوع والتعريف بمفاهيمه، وهنا لا بد أن يكون ذلك في صلب مناهج التعليم الأساسية والجامعية نظريًّا وعمليًّا، كما أنه لا بد أن يكون ضمن رسالة وسائل الاعلام بشتى أنواعها، فضلاً عن كونه جزءًا من رسالة المسجد، وقبل ذلك ومعه أن يدخل التطوع ضمن مفاهيم التربية الأسرية داخل البيوت.

ثانيها: المحور التأهيلي التدريبي: إذ لا مناص لنشر التطوع من تأهيل المتطوعين وتدريبهم في مجالات التطوع المختلفة؛ فمن دورات الصحة العامة والإسعافات الأولية في القطاع الصحي إلى دورات طرق التعليم لمحو الأمية، إلى التدريب على العمل الإغاثي وأعمال الإنقاذ والعمل في الكوارث، وصولاً إلى التدريب على الإرشاد الاجتماعي والعلاج النفسي، وغير ذلك كثير.

ثالثها: المحور التنظيمي القانوني: وربما كان أكثرها أهمية وهو متعلق بإعطاء الصفة القانونية للراغبين في العمل التطوعي وخدمة المجتمع، وأن تسهل الإجراءات وتشجع المجموعات على تأسيس مؤسسات وجمعيات لخدمة المجتمع في شتى المجالات والتخصصات.

أما الوضع الحالي الذي تغيب فيه ثقافة التطوع، وتنعدم برامج التأهيل، وتوصد أبواب الترسيم والتنظيم فهو الذي تعاني منه دولنا وشعوبنا، ولا بد من الإسراع في تغيير هذا الواقع بتعاون وتكامل حكومي شعبي؛ لأن الفوائد من وراء ذلك عظيمة ودوائرها واسعة..

إننا فقراء في المؤسسات ومتأخرون في التدريب ومشغولون عن الثقافة والوعي، ونحتاج إلى توحيد الجهود لتلافي ذلك والانطلاق إلى آفاق أرحب وأقوى، والأمل في شبابنا كبير.

صورة تعبيرية(المرسال)8
مصدر كامل مهنا، في التطوع والمجتمع المدني موقع الأونروا للعمل التطوعي موقع سطور
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.