مغامرات الأفكار: أثينا بمختلف الالوان والاثرية

يوميات محمد كامل خطيب

يتصف، حتى لانقول – يتميز – الفكر الفلسفي  أو الرؤية الإغريقية اليونانية للعالم  ببعض الصفات الخاصة، نعرض فبما يلي بعضها:

1- الانسان هو مركز الاهتمام والتفكير الأول في الرؤية الاغريقة، عكس الرؤية الشرقية، حيث – الله – هو مركز التفكير والاهتمام، مما ينتج عنه جعل – الدنيا – مركز التفكير الاغريقي، والاخرة مركز التفكير الشرقي السابق، وقد تجلى هذا في الرؤية الكامنة خلف بناء المصريين للاهرامات.

2- الطبيعة هي الموجود الجدير بالدراسة والفهم والتفسير – العلم بالموجود بما هو موجود – أي أن تفسير العالم ووجوده يأتي من داخله، وليس من خارجه و كما تقول النظرة الشرقية السابقة واللاحقة، ولهذا يفسر تكوّن العالم, عند الاغريق القدماء، بعناصره : الماء والنار والهواء والتراب، تبعا لكل فيلسوف من الفلاسفة ما قبل سقرا،

3- التجريد – والكليات – لا علم الا بالكليات – هذا هو المبدأ الفلسفي اليوناني. وشرحه بالأمثلة التالية :

كان المصريون القدماء يعرفون “المثلث القائم الزاوية” ويستخدمون هذه المعرفة في الزراعة والمساحة والبناء, بشكل تجريبي, اما “نظرية المثلث القائم الزاوية”فقد ابتدعها الاغريق

الرقم – خمسة – يشير في اللغة السنسكريتية – مثلا – الى أصابع اليد، أما – خمسة – الكلية = التجريدية التي تشير الى اية – خمسة – من الموجودات، فهي ابتداع اغريقي

النقد – في اللغة العربية القديمة يشير الى مجموعة الغنم، وهي ما كان البدوي يدفعه مقابل الحصول على زوجة , ومن هنا يقال عن مهر المرأة – نقدها –  اما مفهوم النقد المجرد – اداة التبادل للمنتوجات، ورمزالمنتوج – فهو مؤسس على مفهوم الاغريق للتجريد والتعميم.

نظرية الديمقراطية في التداول حول القرار والسلطة، كان ظهورها في “الاغورا” اليونانية، اي الساحة العامة للمدينة، ومكان الاجتماع الناس، ومن هنا اتى تصميم المدينة والقرية اليونانية، وتاليا الاوربية، حيث لكل مدينة، او قرية “اغورا”، بينما مكان التجمع والسلطة واجتماع الناس في الشرق هو – المعبد – و ومن هنا – كذلك – اتى فن المسرح اليوناني، والمسرح هو الحوار – اولا . وكلمة – ديمقراطبة – بحد ذاتها يونانية .

تعدد الالهة وصفاتها البشرية، بدل الاله الواحد في الشرق، فتعدد الالهة يشير الى تعدد التفسيرات للوجود، والديمقراطية في حكم العالم، دون انفراد اله – واحد احد – بينما الاله الواحد الاحد يؤدي، وقد ادى في الشرق الى الحكم الفردي.

الفصل بين الاله والحاكم عند اليونان، فمقر الالهة هو “البانثيون”، أما الحاكم فهو انسان من – “الاغورا”. أما الحاكم في الشرق فهو – اله = فرعون، او امام ديني ينوب عن شريعة الله وينفذها.

مصدر المعرفة، وفهم الوجود هو العقل والمنطق، بينما في الفكر الشرقي تكون المعرفة – إلهاماً ووحيا، ولهذا فالبطل والمصلح الشرقي هو – نيي -، اما عند الاغريق فهو – مشرع – او فيلسوف – بشري.

ملاحظ (1): سقراط مثلا: لو وجد سقراط في بيئة شرقية لاعتبر – نبيا -, فقد عاش ظروف ومصير وحياة نبي، اذ ادعى انه ملهم من الالهة، لكن التقليد والسياق الثقافي والفكري الرافض لفكرة – المعرفة من الخارج – اعتبره – مجرد فيلسوف بشري = انسان.

ملاحظة (2): نتحدث هنا عن سمات غالبة وظاهرة ودالة وراسمة للرؤية والثقافة، في كل فكر ورؤية ثقافية، مع العلم ان هناك من يخرج عن هذه الرؤية من داخل الثقافة نفسها

ملاحظة (3): هذه رؤى وافكار تتعدل وتتطوروتتراجع، عبر التاريخ، وليست صفات جوهرية لا تحول ولا تزول، وهي ملك للبشرية حمعاء، وقد اخذت بها، او ببعضا، ثقافات اخرى، وعلى سبيل المثال، فان اهم الدارسين للفلسفة اليونانية هم اليوم – الدارسون اليابانيون.

قصدت من حديثي هذا ان التجديد والاضافة الاغريقية كانت – لحظة – هامة في تطور الفكر الانساني، وان هذه اللحظة هي التي اعادت اوروبا استلهامها واحياءها منذ القرن الخامس عشر، وتلك -الروح الاغريقية – الانسانية + العقلانية، كانت – اداة – الغرب والعالم في نهوضه وتجاوزه للعصورالوسطى، والتي كانت تعني سيطرة- التفكير- المسيحي – ذو الاصول الشرقية، وهذه هي احدى المدلولات الهامة لكتاب المؤرخ الانكليزي- ادوارد جيبون – عن تدهور وانحلال – الامبراطورية الرومانية.

ملاحظة (4): لقد هبط اله اليونان من السماء الى الارض، فعاش حياة البشر، اما الاله الشرقي، ممثلا بفكرة الله والحاكم، فقد صعد من الارض الى السماء، فانعزل واستبد.

ملاحظة (5): الحضارة والثقافة هي حضارة وثقافة كل البشر , والجميل فيها تلوناتها واتربتها ومراحلها التاريخية والمكانية المختلفة , ومن هنا ربما كان من الافضل ان نقول :

اثينا ليست بيضاء، وليست سوداء، اثينا مجبولة من مختلف الألوان والأتربة والأنسجة الأرضية – الإنسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.