(مع احترامي لرأيك بس) حين تصبح التعابير والمصطلحات الحديثة طقساً في حلبة ملاكمة ثقافية

هل الرغبة الذاتية كافية في تحول تقبل الرأي الآخر إلى ممارسة؟ وما المقومات الواجب توفرها في مسائل النقاش الهادئ، والحوار بين المختلفين؟

الأيام السورية؛ عمار عكاش

تتأثر جميع المجتمعات ببعضها البعض، ويقود هذا التأثر إلى تطوراتٍ وتغييرات تتنوع حسب طريقة استقبال كل مجتمع للعناصر الثقافية الواردة إليه، وقدرته على استيعابها ضمن ميكانيزماته الداخلية.

تتخذ هذه التغيّرات أحياناً شكل تساقط الآثار، حيث تأتي التأثيرات الخارجية كي تفجر حاجةً داخلية كان ينقصها التبلّور والانفجار فقط، كما يحدث حين تمتد الثورات بشكل عفو بين بلدان تعيش أوضاعاً متشابهة وتجمعها روابط ثقافية (مثال ذلك: ثورات الربيع العربي، انهيار بلدان المعسكر الاشتراكي كحجارة الدومينو)، لكن المعضلة تكون حين يتخذ التأثر الثقافي اتجاهاً واحداً، فيه مرسل ومتلقي، دون تبادل للأدوار، فيكون المتلقي مقلّداً ليس له أن يبلغ الأصل لأنه مُقلِّد، أو ربما يحاول أن يعدّل من نفسه ليصبح أهلاً لما يقلّده، أو ببساطة يمسخ ما يقلِّده إلى نسخة مشوّهة تتلاءم مع ضعف قدراته.

وإن بحثنا عن المرسل الأساسي عالمياً في حقل إنتاج الأفكار، بدا لنا بجلاء الأثر المركزي للثقافة الغربية. يتخذ طابع التأثر بهذا الإنتاج المركزي الغربي بين كثير من المثقفين السوريين طابع الموضة، فأذكر أنه في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين راجت بين طلبة جامعيين سوريين أحاديث عن فوكو ودريدا ونظريتيهما رغم أن معظمهم لم يطلع على كتبهما.

نما في العقدين الأخيرين وعي بين فئات من الشباب العربي وحتى قسم من الجيل الأكبر المسيّس بالحاجة إلى الديمقراطية، وتزايد إدراك الكثيرين بضرورة التعرف إلى لغة العلوم الحديثة وأساليبها، لأن الأيديولوجيا لا تكفي وحدها لفهم العالم.

لكن الشكل الأكثر طرافة هو مظاهر التقليد التي تبدو في التعابير والمصطلحات التي يتغير مستوى رواجها من حينٍ لآخر، ففي مرحلة ما كانت مصطلحات (الامبريالية – الاستعمار – المقاومة التي صارت لاحقاً ممانعة) هي الخطاب الوحيد الذي يجتمع عليه القومي والماركسي والإسلامي في سوريا كلٌ وفقاً لأيديولوجيته ، لكن نما في العقدين الأخيرين وعي بين فئات من الشباب العربي وحتى قسم من الجيل الأكبر المسيّس بالحاجة إلى الديمقراطية، وتزايد إدراك الكثيرين بضرورة التعرف إلى لغة العلوم الحديثة وأساليبها، لأن الأيديولوجيا لا تكفي وحدها لفهم العالم، لكن هذا الوعي لم يكن بالعمق الكافي الذي يسمح بتجنب تسطيح هذه العلوم.

وبدأت تعابير كثيرة تنتشر، مثل احترام الرأي الآخر، لكن الطريف أن احترام هذا الرأي الآخر حين يكون الحوار بين نقيضين أيديولوجيين أو حتى شخصين قريبين فكريين لكن مختلفين قد يتضمن عباراتٍ مثل: “مع احترامي لرأيك، ولكن…. “.

بعد احترامي لرأيك تأتي عبارات تشبه رفسة فكرية في وجه المتحدث، كأن كلمة احترامي لرأيك هي شكل طقسي للتذكير بأن المتحدث ديمقراطي ويرغب بقبول الشخص الآخر الأحمق، لكنه من حيث الجوهر يرغب بأن يسحله فكرياً، وحين يكون الطرف المقابل شخصاً يمتلك وجهة نظر متماسكة أو محاوراً جيداً غالباً ما ترد عبارة عامية : “هاد رأيك”. وتلفظ مع زمة شفاه وبأسلوب يُقصَد به أن رأيك مجرد رأي شخصي سخيف لا علاقة له بالواقع والمنطق.

ولكي أكون منصفاً لا تكفي دوماً الرغبة الذاتية في تحول تقبل الرأي الآخر إلى ممارسة، فالنقاش الهادئ يحتاج إلى مقومّات كثيرة منها: بيئة سياسية ديمقراطية، تربية عائلية غير متشنجة لا تُشعِر الطفل أنه موضع نقد وهجوم وعليه الدفاع عن نفسه والتغلب على أقرانه، بيئة مدرسية تشجع النقاش الخ…

وفي العقدين الأخيرين، ظهر أثر نظريات التنمية الإنسانية، بعد أن تمّ مسخها وتسطيحها، وتحوّلت خاصة بين من حصّلوا تعليماً أكاديمياً إلى شتيمة ثقافية تجدها بشكل خاص في السوشيال ميديا: “احتفظ بطاقتك السلبية لنفسك”، “ما ناقصني طاقة سلبية”، “ باح الطاقة الإيجابية”، وبات كل شخص يؤكد أنه يكره السلبيين ويبحث عن محيط إيجابي، حتى أنك تشعر أن عدداً كبيراً من الناس كان محاطاً بأشخاص سلبيين، وجاءت نظريات التنمية كالدين لكي تنير دربه وتبعده عن السلبيين الخطّائين، ناهيك عن انتشار فكرة الابتسامة الروبوتية التي تنشر طاقة إيجابية.

بعد احترامي لرأيك تأتي عبارات تشبه رفسة فكرية في وجه المتحدث، كأن كلمة احترامي لرأيك هي شكل طقسي للتذكير بأن المتحدث ديمقراطي ويرغب بقبول الشخص الآخر الأحمق، لكنه من حيث الجوهر يرغب بأن يسحله فكرياً.

وفي نفس المنحى راجت بين بعض السوريين منذ بضعة أعوام نظرية نفسية هي نظرية التواصل اللاعنفي لمارشال روزنبرغ Marshall Rosenberg اشتهرت كل أنحاء العالم واتخذت طابع الموضة في التنمية البشرية وأساليب الإدارة، لن أدخل في تفاصيل الخلل الذي تعاني منه النظرية من حيث أنها تبسط كل مشكلات البشرية إلى خلل تواصلي وبمجرد أن تعلّم الناس التعبير المباشر عن حاجاتهم بشكل ملائم ستحل مشاكلهم، أصبحت كلمة التواصل اللاعنفي كلمة تتردد على ألسنة الكثيرين، فحين تمزح مزحة لا تروق لصديقك المثقّف ربما يقول لك : “هذا تواصل عنفي”، ومرة أخرى أصبح التعبير شائعاً في وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي السنتين الأخيرتين احتلت الصدارة كلمة تنمّر، فباتت الكلمة الأكثر استخداماً، تلصق بكل شيء، بحيث لم نعد نعرف الفرق بين الفكاهة الساخرة وبين التنمّر: هذا تنمّر، إنه متنمّر، لا تتنمّر.

إن كثرة استخدام أي مصطلح كفيل بتفريغه من محتواه وتسفيهه، مثل العلكة التي يمكن أن تمضغها مرة أو مرتين ولكن صلاحيتها للمضغ سستنتهي دون شك، وربما ينتهي الأمر بمن يستخدمون مصطلحات كالتنمّر بمناسبة وبدون مناسبة كي يظهروا بمظهر المتحضرين والمثقفين إلى التعرض إلى السخرية ( أي التنمّر إن صح التعبير).

إن كثرة استخدام أي مصطلح كفيل بتفريغه من محتواه وتسفيهه، مثل العلكة التي يمكن أن تمضغها مرة أو مرتين ولكن صلاحيتها للمضغ ستنتهي دون شك.

وبقي أن أذكر ضمن هذه التعابير، عبارة قديمة رائجة بين السوريين وهي “لا تعمّم”، وهي جملة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها تستخدم في كثير من الأحيان حسب حاجة المتحدّث في الحوار، وتحولت أيضاً إلى جملة طقسية، وبالمناسبة التعميم هو أحد خطوات البحث الاجتماعي الذي يبدأ بأخذ عينات مختارة بطريقة منهجية، وفي النهاية تصبح النتيجة التي توصل إليها البحث قاعدة تصلح للتطبيق لأنها القاعدة السائدة، على سبيل المثال حين نقول: إن المجتمع السوري محافظ وبطريركي. هل يعني هذا تعميماً حسب الاستخدام الطقسي للمصطلح ؟بكل تأكيد لا، فحين تذكر هذه الجملة تعني الاتجاهات الأكثر انتشاراً في المجتمع ولا يعني ذلك بكل تأكيد أن كل عائلة سورية تربي أطفالها بالطريقة ذاتها.

ما ذكرته من أمثلة أردت أن أدلل بها على مآلات ثقافة عقيمة عاجزة عن الإنتاج، فمثلما يقلد كثير من أبنائها الموضات العالمية، في اللباس والماكياج وقصات الشعر، يفعلون الأمر ذاته في سوق الأفكار. فحين نرى امرأة سورية ترتدي لباساً ضيقاً، أو تنورة قصيرة لا يعني هذا أنها تعيش في كنف عائلة متحررة، أو أنها ملك نفسها، بل قد لا يعدو الأمر تغييراً شكلياً، كذلك فإن الحديث بعبارات ومصطلحات متداولة عالمياً في مواضيع علم النفس والتنمية البشرية وشؤون السياسة والمرأة لا يعني أن صاحبها فعلاً متعمق في هذه المواضيع، بل قد يكون مجرد شخص مهتم، ويتمتع بهذه الحوارات كحالة طقسية، تحتاج كلمات براقة مثل: التنمّر، احترام الرأي الآخر…، وهكذا تصبح معاركنا الفكرية معارك كلامية، ثرثرة ثقافية، أو حلبة ملاكمة ثقافية، لا تحقق تراكماً معرفياً أو تراثاً يستفيد منه من يأتون لاحقاً.


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري – مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.