معركة دمشق الكبرى: ظروفها، ومعوقاتها. حسم معركة دمشق يسقط النظام – بقلم محمد خليفة

في دمشق بدأت الثورة وعمليات التحرير.. وحطمت هيبة الجيش الاسدي وأجبرته على التفاوض والانسحاب
*أهم المعوقات لحسم المعركة: نقص حاد في السلاح.. والمواجهة مع الفرقة الرابعة.. واسشراس الأسد في حماية العاصمة
*منذ 1980 أرسى الاسد الاب معادلة حكم دمشق: الرضوخ أو تدمير المدينة واستباحتها.. وهذا ما يجري حالياً بالضبط !!
*هكذا جرت معركة الزبداني ألهمت وألهبت حماس الثوار في سوريا وشكلت نقلة نوعية نحو التحرير بقوة السلاح
*دمشق وريفها قدمت ربع إجمالي شهداء الثورة وتحملت أقصى درجات التنكيل والقتل والاغتصاب والنهب الممنهج
بقلم : محمد خليفة
تتعرض دمشق بثوارها وسكانها معاً، لظلم مضاعف في الثورة السورية، من جانب النظام الذي يواجه المنتفضين في العاصمة وريفها بقسوة لا تشبهها قسوته في مواجهة ثوار المحافظات الأخرى. ومن جانب وسائل الإعلام التي تغطي وتنقل أنباء الثورة وتطوراتها ومضاعفاتها، لأنها قصرت حتى الآن في إظهار تميز الحالة في دمشق عموماً، عن الحالة في باقي المحافظات والمدن في مجابهة النظام الدموي.

موضوعياً لا شك في أن ما يجري في دمشق وريفها يختلف عما يجري في جميع أنحاء سوريا، وخصوصاً ردود أفعال السلطات السورية الأمنية والعسكرية على الاحتجاجات الشعبية منذ أن كانت سلمية، وكذلك بعد تحولها الى ثورة مقاتلة، اضطرت لاستعمال السلاح دفاعاً عن النفس.
نحن أمام مشهد متميز ومختلف ويتطلب استجلاء مكوناته وعناصره.
إختلاف نوعي وجذري في طبيعة المعركة في دمشق عن باقي معارك الثوار السوريين ضد نظام الأسد، فهي وحدها معركة النصر الناجز، ومعركة الحسم النهائي العسكري والسياسي على مستوى البلاد برمتها، وهو أمر منطقي تبعاً لوظيفة دمشق كعاصمة للدولة، ومركز للحكم والحكومة. ومن المنطقي أيضاً القول أن النظام يستطيع التخلي أو الانسحاب من أي محافظة أو مدينة سورية بما فيها حلب، العاصمة الثانية، أو العاصمة الإقتصادية، ولكنه حتماً لا يستطيع التخلى عن دمشق، لأن سقوطها يعني سقوطه الأخير. والاعتراف الدولي بالنظام مستمر وسيستمر ما دامت العاصمة بيد الأسد وجيشه وعصاباته، ولذلك اتسمت المواجهة بين الشعب السوري بكل قواه من ناحية أولى، والنظام من ناحية مقابلة منذ بداية الثورة.. بل من قبل أن تبدأ بحسب التاريخ المغلوط الذي صار متداولاً في وسائل الإعلام وهو 15 آذار/ مارس 2011.

معادلة الاستقرار أرساها الاسد الاب
والأمر ليس جديداً، بل كان دائماً على هذا النحو الخاص في حقبة الأسد. وهناك سابقتان مهمتان لم يسبق أن نشرتا، الأولى حدثت إبان المواجهة التي وقعت بين الشعب السوري والنظام في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات من القرن الحالي، والتي أوشكت أن تطيح نظام الأسد منذ ذلك الوقت، وقد توقف الحسم فيها في لحظة من اللحظات على انضمام دمشق للإضراب التجاري – السياسي الذي بدأته حلب وتبعتها فيه محافظات حماة وادلب والرقة ودير الزور والحسكة واللاذقية وحمص. وبقي نجاح الإضراب وتحقيق نتائجه السياسية مرهوناً بانضمام دمشق إليه، وخلال أسبوعين فاصلين ضغطت فعاليات حلب وشقيقاتها بقوة على تجار دمشق واتهمتهم بالتربح على حسابهم وتغليب المصلحة التجارية على المصالح الوطنية العليا. وبطبيعة الحال كانت استخبارات النظام تتابع هذه المفاوضات الدائرة سراً بين فعاليات دمشق وفعاليات المحافظات الأخرى المتمردة على سلطته، وتنقل للأسد الأب تطوراتها أولاً بأول. وفي نهاية الأمر استجاب تجار دمشق لمناشدات إخوانهم في بقية المحافظات وأعطوهم عهداً قاطعاً ببدء الإضراب العام في تاريخ محدد وكان في منتصف آذار/ مارس عندها استدعى الأسد كبار تجار دمشق وقال لهم: ((أمامكم خياران فاختاروا منهما ما يناسبكم: إذا انضممتم للإضراب سآمر القوات المسلحة ولا سيما قوات رفعت (الاسد) باستباحة المدينة ونهب محتويات المتاجر بلا رحمة. أما إذا تراجعتم عن الإضراب فقدموا ما شئتم من مطالب اقتصادية وسياسية وأعدكم بالموافقة عليها بلا نقاش)). وكما هو معروف لم تنضم دمشق للإضراب عهد ذاك وقدمت لائحة تضمنت عشرين مطلباً اقتصادياً وسياسياً مهماً جداً في ذلك الحين بما فيها تشكيل حكومة على رأسها شخصية دمشقية (د. عبد الرؤوف الكسم) وضمت عشرة وزراء دمشقيين مستقلين غير بعثيين يمثلون التجار والمجتمع الدمشقي المحافظ، وصدرت فوراً مراسيم برفع سقف الاستيراد، وعفو خاص عن مخالفات التجار والعقوبات الصادرة بحقهم، وإلغاء قانون العقوبات الإقتصادية رقم 10 لعام 1970 وغير ذلك من مكافآت.
والسابقة الثانية حدثت في العام نفسه عندما تعرض الأسد لمحاولة اغتيال نجا منها بأعجوبة، فقد أعقب ذلك وخلال ساعة واحدة فقط وضع كافة وحدات سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد في حالة جاهزية قصوى استعداداً للقتال. وقد روى لي بعد أسبوع من الحادثة وزير في الحكومة دخلت عليه في مكتبه فوجدته في حالة وجوم وقلق واضحين، سألته عما به فقال لي: أمس مساء دخل علينا في مجلس الوزراء وزير الدفاع وقال: أشكروا الله لأنه حمى الرئيس وأنجاه من القتل في محاولة الإغتيال، لو قتل كان شقيقه رفعت سيأمر بقصف دمشق بالصواريخ والمدفعية الثقيلة، ولن يتوقف قبل أن يقتل نصف مليون شخص ثمناً لدم أخيه. وكشف لي آنذاك أيضاً عسكري من قوات السرايا أن رفعت الأسد عندما سمع نبأ إصابة أخيه، أمر قواته فوراً برفع درجة الإستنفار وتلقيم المدافع والصواريخ وانتظار إشارة البدء بإطلاق النار، وانه أصدر تعليمات لكبار ضباطه جاء فيها ان هناك محاولة انقلابية ولا بد من القضاء عليها.
منذ ذلك الوقت عام 1980 والدمشقيون يشعرون بأنهم يعيشون في ظل تهديد مزدوج من سلطة الأسد فإما الرضوخ له، وإما تدمير المدينة على رؤوسهم واستباحتها ونهبها على أيدي عصابات علوية مدججة بأحدث الأسلحة ومليئة بالحقد والضغينة على مواطنيهم المسلمين السنة. ومن المعروف أن سرايا الدفاع كانت تملك أسلحة أحدث من أسلحة الجيش الوطني، وأنها معدة لمواجهة الجيش والمواطنين في الداخل، وليس أي عدو خارجي. وعلى هذا الأساس تحقق استقرار البلاد طوال ثلاثة عقود مريرة، ولم تتعرض المعادلة لمحاولة كسر جدية بعدها حتى هبت رياح الربيع العربي في مطلع العام الماضي 2011 وظهر في سوريا مثلها مثل بقية البلدان العربية جيل جديد لم يعد يقبل العيش في ظل الشروط التي كرستها المعادلة الإرهابية السابقة. ولم يكن صدفة بلا معنى أبداً أن تصدر أولى شرارات الثورة من قلب دمشق التاريخي وليس من درعا، كما أشاع الإعلام الخارجي، بل وإنما تحديداً من سوق الحميدية التجاري الكبير، وحي الحريقة بالقرب منه حيث حدثت أول تظاهرة شعبية احتجاجية اضطرت وزير الداخلية للحضور بنفسه لفضها بالحسنى. ثم حدثت تظاهرة نسائية أخرى أمام وزارة الداخلية كان على رأسها الناشطة المعارضة سهير الأتاسي وعدد من الناشطات قمعت بقسوة بالغة من عناصر الاستخبارات، واعتقلت الأتاسي بعد أن اقتيدت من شعرها تحت وابل من الشتائم والإهانات واللكمات.

الثورة كسرت المعادلة.. بداية من دمشق والزبداني
البداية كانت في دمشق اذن، وكان يمكن ان تكون في اي محافظة أخرى، ففي سوريا ألف (بوزيد) محلي بيد أن النهاية لا بد أن تكون في دمشق، ولا يمكن لأي مدينة أخرى أن تستضيف هذا الاستحقاق الحاسم، لأن النظام لن يسقط إلا في العاصمة ولا تصلح أي مدينة أخرى لتكون ميدان الجولة الفاصلة في الصراع الطويل وإعلان النصر المرتقب ونهاية عصر الظلم والظلام.
وإذا كان التميز السابق وظيفياً يتعلق بكون دمشق عاصمة ومركزاً للسلطة والقيادة والادارة والتمثيل الدبلوماسي الخارجي، فإن هناك تميزاً جيوبوليتيكياً ثانياً يمثل عاملاً موضوعياً، وهو أن دمشق مدينة داخلية مغلقة، ومحاصرة، لا منافذ لها إلى الخارج، بينما للمحافظات الأخرى المشاركة في الثورة منافذ مفتوحة على الخارج تستمد منها مقومات المدد والدعم. محافظات الشمال كلها من الحسكة حتى اللاذقية مروراً بحلب والرقة وادلب متاخمة لتركيا وتستطيع الحصول منها على السلاح والدواء والمقاتلين. وحمص وحماه متاخمتان للبنان وتحصلان منه على أشكال متنوعة من المساعدات، ودرعا متاخمة للأردن، ودير الزور والقامشلي محاذيتان للعراق، ومن المعروف أن جميع المنافذ الحدودية تقريباً صارت بأيدي الثوار، فضلاً عن بقية الحدود. أما دمشق فلا منفذ لها، وهي محصورة في قبضة السلطة الغاشمة. ولذلك عانت وتعاني منذ بداية الثورة من نقص حاد جداً بالمؤن العسكرية. وثوارها وجنودها المنشقون حالياً يستغيثون طلباً للسلاح والذخائر، ويستنجدون بالداخل والخارج، لأنهم هم من يستطيع حسم الصراع، وبدونهم لن يكون ذلك، وهم الأكثر حاجة للسلاح، ومع ذلك فإن لديهم نقصاً شديداً به. الأمر الذي يطيل عمر النظام، ويزيد معاناة السكان. وليس سراً أن هناك الآن وفرة نسبية بالسلاح والعتاد في محافظات الشمال، والجنوب والشرق والغرب كافة، بينما لا يملك الثوار في دمشق وريفها ما يسد الرمق ويمكنهم حتى من الدفاع عن النفس، ويتيح للنظام ممارسة أقصى درجات البطش والقتل والتنكيل. ومع ذلك يقاتل ثوار دمشق ببطولة وبسالة نادرتين وبما يتوافر لديهم من أسلحة خفيفة فقط يحصلون عليها في الغالب من غنائم القتال مع جيش النظام الذي خارت قواه. ويقول مصدر عسكري من الثوار: إن بطولة ثوار دمشق هي العامل الحقيقي الذي أتاح للثوار في المحافظات الأخرى وخصوصاً الشمالية تحقيق انتصارات وإنجازات ميدانية نوعية، لأن الهجوم الشامل الذي بدأوه في بداية العام الحالي على جميع المحاور في دمشق والريف، واستطاعوا به إلحاق هزائم حقيقية بقوات السلطة أجبر النظام على الإنكفاء عسكرياً لحماية العاصمة وتخفيف العمليات العسكرية البرية ضد المدن البعيدة والاكتفاء بالعمليات الجوية من قصف وتدمير وقتل وهي عمليات انتقامية أكثر من كونها عمليات استراتيجية لاستعادة السيطرة على المدن المعنية.
وهناك من الوقائع ما يثبت أن دمشق كانت مفاعل الثورة الأقوى في كل مراحلها، ونكتفي بالإشارة هنا الى تطورين رئيسيين وبارزين في مسيرتها:
الاول: محاولات ثوار دمشق لتحرير المدينة والتي بدأت في الواقع من اليوم الأول نتيجة وعيهم المبكر أن إسقاط النظام لا يمكن إلا أن يكون فيها. وقد لا يكون معروفاً حتى الآن أسرار كل محاولات الثوار للسيطرة على دمشق العاصمة نفسها، بل قلبها. ولكننا نؤكد أن المحاولات ابتدأ التخطيط لها من شهر حزيران/ يونيو 2011، ولم تتوقف، وكانت في أول الأمر سلمية مدنية، وتكررت المحاولات أربع مرات قبل أن يتيقن الثوار أن النظام أكثر دموية مما يتصورون، وأنه مستعد لقتل مئات ألوف المواطنين ليحول دون سيطرتهم عليها، وأنه لا بد من السلاح والقتال لكسر شوكة النظام وقبضته الفولاذية عليها. كانت الفكرة في البداية تركز على خلق منطقة تجمع شعبي كثيف واعتصام دائم على غرار ميدان التحرير القاهري، أو قرينه اليمني، وكانت الاستخبارات السورية قادرة على اكتشاف الخطط قبل تنفيذها وتعمل على إحباطها بطرق عملية مدعمة بالقوة والبطش، وكانت عين الثوار مصوبة على الساحة الكبيرة أمام مجلس الوزراء القديم ومبنى المصرف المركزي. وكانت تقوم على الاتصال بآلاف الناشطين قبل الساعة الصفر بأسابيع عدة ودعوتهم للاحتشاد في المكان المحدد في يوم التنفيذ فكانت قوات السلطة تسبقهم للتجمع في المكان نفسه وقطع الطرقات والشوارع المؤدية إليه واعتقال أو ضرب أي تجمهر ولو من ثلاثة أشخاص. واتضح أن قوات الأمن كانت جاهزة لإطلاق النيران على التجمعات بلا أي حساب للأرواح، وفي مرحلة لاحقة جرى وضع خطة طموحة وجريئة تقوم على الاستعانة بسكان ريف دمشق للزحف بأعداد ضخمة نحو العاصمة في يوم محدد والتجمع في ساحة العباسيين في مدخلها الجنوبي وكان المخططون يتوقعون قمع السلطة لهم بالنار، فأبدوا استعدادهم لتحمل مقتل خمسة آلاف شخص منهم، وتم استدعاء آلاف الأطباء والممرضين المتطوعين، وتوفير كميات ضخمة من المواد الصيدلانية والطبية لمعالجة آلاف المصابين المتوقعين، ولكن السلطة في الموعد المحدد قطعت شرايين الدخول للعاصمة وسدت منافذ الريف، ومنعت دخول السيارات والحافلات بالكامل، وأظهرت استعدادها للبطش بطريقة الإبادة الشاملة للمحتشدين مهما كان عددهم. وعندها أيقن ثوار دمشق عقم تلك المحاولات السلمية والمدنية على طريقة مصر واليمن، وأنه لا بد من القوة في مواجهة قوة السلطة، وهكذا طووا ملف تلك المحاولات الفاشلة في نهاية العام الماضي، وقرروا الإنتقال للمحاولات القتالية المسلحة.
التطور الثاني: اما التطور الثاني فهو انه كانت البداية العملية لتحرير دمشق وباقي المدن بالقوة المسلحة في الزبداني كما هو معروف، إذ استطاع الثوار من تحرير المدينة ودحر قوات النظام، وفي ذلك الوقت لم تكن أي مدينة في سوريا قد حققت مثل هذا النصر العسكري. وقد شرح لنا الدكتور كمال اللبواني المعارض البارز الذي كان فعلياً قائد ملحمة الزبداني ما حدث فقال: خططنا على مدى شهور وتدربنا على عملية تحرير المدينة من قوات النظام العسكرية والتي كانت تضم عشرات الدبابات والمدافع والاف الجنود، وقمنا بتوفير الأسلحة الخفيفة والمؤن الغذائية استعداداً لمعركة طويلة. وأضاف: عندما بدأنا الهجوم بدأت قوات النظام رغم قوتها وأسلحتها تفقد السيطرة على الأرض واستطعنا محاصرة أقسام منها، إلى أن طلبوا منا التفاوض للإنسحاب من داخل المدينة بسلام مقابل تلبيتهم لبعض مطالبنا، ولم يكن لديهم بديل بعد أن أحكم الثوار سيطرتهم على الزبداني، وصرنا نهدد باستهداف مواقع حساسة داخل العاصمة نظراً للموقع الاستراتيجي للزبداني الواقعة على قمة منطقة جبلية مشرفة على دمشق. وعندما سمع العالم أنباء سيطرة الثوار على المدينة الجبلية الصغيرة اهتزت هيبة النظام واضطر لمفاوضتنا عسكرياً على سحب قواته مقابل تنازلات سياسية واجتماعية للسكان عززت النصر، إلا أنه أضمر نية المكر والخداع لأنه لا يستطيع التساهل مع هكذا تطور، وقرر إعادة الهجوم لاستعادة المدينة. وقال اللبواني إنه عندما اضطر هو للخروج من سوريا إلى الأردن وواصل من هناك قيادة المعركة كان اللواء آصف شوكت يرسل له يومياً أحد الضباط الكبار إلى عمان للتفاوض معه في تفاصيل أمور مدنية وعسكرية تتعلق بالوضع الميداني في الزبداني.

القيمة الاستراتيجية لمعركة الزبداني
هذه المعركة التي تزامنت مع هجوم قوات الأسد على حمص في مطلع شباط/فبراير لكسر صمودها خففت الضغوط على المدينة المحاصرة، وألهمت كما شجعت الثوار في جميع المناطق على الإقتداء بالزبداني وتعزيز قتالهم. ومع الربيع وبداية الصيف انتقل الثوار في جميع مناطق ريف دمشق الى الهجوم بدءاً من دوما وداريا والقابون وحرستا وصولاً الى التل والمعضمية والقدم وقدسيا.. إلخ ولم تكن تحركات الثوار في هذه المناطق مجرد عمليات متفرقة ومحلية بل كانت خاضعة لتنسيق محكم ضمن خطة استراتيجية لتطويق العاصمة وتحرير ريفها تمهيداً لدخولها وخوض المعركة الكبرى في داخلها.
وفي الصيف الماضي تحققت إنجازات هائلة وكبيرة بالمعايير السياسية والعسكرية إذ أصبحت جميع مناطق الريف الدمشقي إما محررة بالكامل، وإما شبه محررة. واستطاع الثوار اعتقال عشرات الضباط أو قتلهم واقتحام مقرات الأمن والسيطرة عليها بما في ذلك مواقع حصينة كمطار المزة العسكري والمطار الدولي وطريقه، وبالقرب من الثكنات وقواعد الصواريخ الاستراتيجية الأمر الذي أوقع الذعر حتى في الدول الأجنبية التي تراقب التطورات عن كثب وحركت عندها موجة عالية النبرة من التصريحات والتدابير العالمية لمواجهة احتمال وقوع مخازن الأسلحة الكيميائية في أيدي الثوار أو الجماعات المتطرفة. كان الثوار يطوقون العاصمة في شهري حزيران/يونيو وتموز/يوليو، وبدأت المعارك تنتقل إلى داخل العاصمة في حي التضامن والميدان ونهر عيشة والشاغور وشارع بغداد وساحة العباسيين، بل ودارت معارك عند جسر فيكتوريا وتحركت تظاهرات في حي المهاجرين على بعد مئات الأمتار من قصر بشار الأسد، وتعرض موكب الأخير رغم انه كان سرياً لهجوم بالقذائف وأصيبت إحدى سياراته وبعد أيام تعرض مكتب الأمن القومي للنسف وقتل كبار رجال الإدارة الأمنية للنظام بمن فيهم وزير الدفاع ونائب رئيس الأركان ورئيس مكتب الأمن القومي، ولم يعد الأسد نفسه آمناً ولا ينام في قصره بل يتنقل بين مساكن مختلفة بصورة شبه يومية ومع ذلك استطاعت عيون الثوار رصده وخططت للهجوم عليه. كان الوضع قد بلغ درجة عالية من الخطر، فقرر القيام بهجوم معاكس أوكل تنفيذه الى الفرقة الرابعة قوة الردع الاستراتيجي الأخيرة في جعبة النظام، وهي الفرقة المكلفة بحماية الرئيس وقصره، وهي التي تشكلت بعد حل سرايا الدفاع عام 1984ومن الجنود أنفسهم والتركيب الطائفي والتسليحي نفسه، فهي القوة المعدة لحماية آل الأسد ونظامهم في مواجهة الجميع بما فيهم الجيش النظامي. وهي فرقة معروفة بمستواها التسليحي الممتاز وجاهزيتها القتالية العالية وكفاءتها. وبالفعل قامت الفرقة منذ شهر آب/أغسطس وبتزامن واضح مع هجوم الثوار لتحرير حلب بهجوم شامل لفك الحصار عن العاصمة وطرد الثوار خارجها ونقل المعارك بعيداً عن قلب العاصمة، وهكذا وقعت المعارك العنيفة التي أدت لتدمير حي التضامن بالكامل وأجزاء كبيرة من المزة ومخيم اليرموك وكفر سوسة والقابون وحرستا ثم مناطق التل والمعضمية وبرزة وداريا وزملكا وتل منين.. إلخ واستعادت قوات السلطة السيطرة على معظم المناطق، ولكن بثمن باهظ جداً من عمليات القتل والذبح والاعدام الجماعية (كما سنرى لاحقاً من خلال الجداول الإحصائية) وهي عمليات نفذت بأقصى درجات التنكيل ومصحوبة بعمليات نهب وحرق وتدمير شاملة ممنهجة للمساكن والأسواق والمتاجر وتدخل ضمن خطط اقتحام الأحياء والمناطق المحررة أو المتمردة كعقاب جماعي للسكان يعيد إلى الذاكرة التهديد الرسمي الصريح والواضح الذي وجهه حافظ الأسد لتجار دمشق عام 1980. فما يجري اليوم في دمشق وريفها على أيدي قوات الفرقة الرابعة ذات التركيب العلوي بنسبة 90% على الأقل. (كما سنرى في الاحصائيات التالية المأخوذة من المصادر الرسمية للثورة السورية وخاصة موقع شهداء الثورة السورية) وهو موقع يتضمن كل المعلومات التي تصدر عن التنسيقيات والمنظمات المعترف بها إنما هو عملية إخضاع وحشية للعاصمة واستباحة لكل مقدساتها ومحارمها وأحيائها وأفرادها وبوحشية فاقت وحشية ما ارتكبته قوات الأسد في المدن السورية الأخرى بدلالة النتائج البشرية التالية:
احصائيات للذاكرة السورية
أولاً على مستوى الشهداء: قد لا يكون معروفاً للرأي العام ولغير المعنيين بمتابعة شؤون الثورة السورية أن عدد الشهداء والمصابين في دمشق وريفها يزيد عن أي مدينة أو محافظة أخرى. ونحن هنا لا نقسم دمشق وريفها الى محافظتين كما هو حاصل إدارياً لأن المحافظات الأخرى لم تقسم بالطريقة نفسها، ولذلك يجب مساواة المحافظات كافة بمعايير إحصائية موحدة وبموجب ذلك يتبين أن دمشق قدمت للثورة وحدها 25% من إجمالي الشهداء البالغ 37721 شهيداً حتى يوم 20/10/2012 ويبلغ عدد شهداء دمشق 9477 شهيداً بينهم 6597 شهيداً في ريف دمشق, بينما يبلغ عدد شهداء حمص 8286 شهيداً تليها إدلب 5170 شهيداً وحلب 4163 شهيداً. أما بالنسبة لعدد المجازر الجماعية( المجزرة الجماعية هي ما يقع فيها أكثر من عشرة شهداء دفعة واحدة) فتحتل دمشق أيضاً رأس القائمة حيث شهدت داريا وحدها في ريف دمشق إحدى عشرة مجزرة يبلغ إجمالي شهدائها 642 شهيداً، وفي تل منين 123شهيداً في ست مجازر، وفي المعضمية 200 شهيد في سبع مجازر، وفي زملكا وقعت أربع مجازر قضى فيها 139 شهيداً. وفي مدينة دمشق نفسها قدم حي القابون 298 شهيداً والحجر الأسود 265 شهيداً وجوبر مثله والقدم 251 شهيداً والتضامن 212 والسيدة زينب 173وبرزة 159ومخيم اليرموك 146وكفر سوسة 125والميدان 108والعسالي 97 شهيداً والمزة 61 شهيداً ونهر عيشة 55 شهيداً وركن الدين 37 شهيداً وهكذا دواليك حتى يبلغ عدد الأحياء في داخل دمشق التي سقط فيها شهداء 57 حياً من بينها حيا المهاجرين وأبو رمانة أرقى أحياء العاصمة واللذان يقعان على مسافة مئات الامتار من مكتب وقصر ومسكن الرئيس.
إذن لا بد من إزجاء الفضل لأهله الشرعيين، دمشق التي ترددت في المشاركة في أحداث 1980 ذات الطابع الطائفي كانت الرائدة وما زالت في ثورة الشعب السوري الوطنية عام 2011، وتتقدم جميع المحافظات في البسالة والتضحية وكانت أكثر المحافظات استضافة لمهجري المدن الأخرى المنكوبة وخصوصاً حمص، وضربت المثل الأعلى في مساعدتهم واستقبالهم، بل استقبلت نازحي دير الزور في أقصى الشرق وحوران في الجنوب، فضلاً عن حماة وإدلب في الشمال. وهي أظهرت كل هذه القدرات الفذة رغم أن المستوى غير العادي أيضاً للتنكيل والقمع والنهب والسرقة في دمشق يفوق المحافظات الأخرى بأيدي قوات الفرقة الرابعة، أو الحرس الجمهوري ذات التكوين الطائفي السافر، والتي تتسم بالولاء المطلق لآل الأسد ونظامهم، وتعتبر الذراع الضاربة لهم. ولا بد أن نضيف لهذه الأوجه والأدوات في قمع دمشق الممارسات الطائفية البشعة التي قامت بها مجموعات من الشبيحة ومجموعات أخرى أطلق عليها إسم اللجان الشعبية لحماية النظام من خطف للنساء وخاصة الفتيات الصغيرات، بل والرجال بلا أي سبب وخارج القانون، أي بواسطة هذه المجموعات الإرهابية ومعظمها ذات هوية طائفية علوية. وقد حدثت معظم هذه العمليات في حي عش الورور الذي يسكنه العلويون حصراً، وكانوا يقطعون الطرق على حافلات النقل العام التي تمر عبر حيهم في طريقها للتل وتل منين وغيرها وتنـزل الركاب وتحتجزهم أياماً ثم تقتل من تقتل منهم أو تغتصب من تغتصب وتطالب بفدية مالية مقابل إطلاق البقية، وفي شهر تموز/يوليو بلغ عدد الحافلات التي أوقفت وخطف جميع ركابها في يوم واحد خمساً وعدد المخطوفين حوالى 45 مواطناً. ويقول الدمشقيون ان دمشق تضم حوالى مليون علوي، انتقلوا من منطقة الساحل للعاصمة وأقاموا أحياء خاصة بهم (عش الورور وسفح بروة والهامة) وقد تحولت الآن الى بؤر للمسلحين تهدد باقي السكان بمثل العمليات السابقة في إشارة معناها أننا قادرون على نشر الرعب في قلب دمشق إذا لم تتوقف الثورة، ومعظم علويي دمشق من فئة الشباب، وهم في الغالب من العسكريين كذلك هم مدربون ومسلحون ومقتدرون مالياً ومنظمون في تشكيلات أمنية.
ويقول المراقبون من داخل سوريا انه لولا استبسال أهالي دمشق في مقاومتهم للنظام لما اضطر لاستخدام قواته الاحتياطية الاستراتيجية التي كان يدخرها لحماية قصره وبقايا نظامه، ولولا اضطراره لاستعمالها لضرب وتحطيم محاولات تحرير دمشق لأمكنه استعمالها في قمع المحافظات الأخرى، وفي كلتا الحالتين تحملت دمشق وثوارها وأهلها حصتهم وحصة غيرهم من ضريبة الثورة وقمع السلطة الغاشمة.

الاستعداد للمعركة الكبرى والفاصلة
ثوار دمشق ما زالوا يقاتلون ويتمردون رغم الحصار الخانق المضروب من حول العاصمة لمنع تهريب السلاح والعتاد إلى ثوارها، ويكشف أكثر من مصدر عسكري من الثوار أنهم يعتمدون على القليل المتوفر بصعوبة، ولو أنهم حصلوا على الأسلحة بمعدلات ما حصلت عليه المحافظات الشمالية لتغير مجرى الصراع واختلفت موازين القوى على الأرض. النظام الآن مستعد للإنسحاب التكتيكي من كل المدن باستثناء دمشق، ولذلك يركز الثوار على معركة دمشق وحسم الصراع فيها مهما كان الثمن وبلغت التضحيات. وهم يمارسون مع قوات السلطة لعبة الكر والفر، فهم انسحبوا أمام هجمات الفرقة الرابعة لاستعادة السلطة على ريف دمشق والأحياء التي سبق تحريرها تفادياً للمجازر الوحشية المروعة والتدمير الشامل، ولكنهم يستعدون مرة أخرى لعمليات هجومية وتحريرية لما فقدوه قريباً، ويؤكدون انهم ما زالوا يمسكون بالغوطة الشرقية واستولوا على قواعد صواريخ فيها، وكميات من الأعتدة الحربية، دليلاً على صمودهم وإصرارهم على خطة تحرير دمشق وإسقاط النظام مهما كانت التكاليف. والدليل على ذلك ان غالبية الكتائب والألوية المسلحة في دمشق وريفها اتحدت وشكلت فيما بينها هياكل عسكرية ضمن نطاق الجيش السوري الحر، وتشمل هذه التشكيلات العسكرية الثورية في دمشق ومحيطها الريفي من النبك والقلمون في الشمال حتى الكسوة والقدم جنوباً، ومن التل حتى الزبداني شرقاً وغرباً، وهناك تنسيق وتخطيط وعمليات مشتركة مما يؤكد صمودهم وإصرارهم على معركة دمشق الفاصلة، ولهذا السبب لم تعرف العاصمة ظاهرة فوضى السلاح التي عرفتها محافظات الشمال، خاصة حلب وإدلب، ولذلك فالقدرة على تنظيم الصفوف وتوحيد العمليات متوفر ويتيح إمكانية موضوعية أكبر للنجاح في مواجهة قوات الأسد.
ويؤكد قادة الجيش الحر ان التخطيط لمعركة الفصل والحسم الكبرى في دمشق جارية بسرية مطلقة وبتخطيط يشمل جميع المحافظات، وستتم في الوقت المناسب وخاصة حين يتوفر السلاح النوعي، ويقولون إنها ستكون معركة مباغتة وقوية وصاعقة بحيث لا تتوافر الإمكانية لقوات الأسد لخوض المعارك في كل منطقة على حدة، ولا امتلاك الوقت للقيام بعملياتها وفق برنامجها وتوقيتها هي بل سيكون زمام المبادرة والمباغتة بأيدي الثوار. ويقول هؤلاء أيضاً ان هناك مئات الضباط ذوي الرتب العالية والتخصصات الاحترافية ضمن تشكيلات الجيش الحر في العاصمة، مما يؤهله لوضع الخطة المناسبة وإدارة العمليات بكفاءة عسكرية حرفية عالية.
عن مجلة الشراع اللبنانية
http://www.alshiraa.com/details.php?id=13830

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.