معركة بورسعيد والعدوان الثلاثي على مصر وكارثة التقديرات الخاطئة

انتصارات المهزومين.. خيانة الأنظمة العربية لشعوبها (2/6)

انهار عبد الناصر ورفاقه تمامًا، فكان رأي المشير عامر الطلب بإيقاف القتال؛ لأن الاستمرار في المعركة سيترتب عليه تدمير البلاد، وقتل الكثيرين من المدنيين، لكن البغدادي رد بأن الاستسلام سينتج عنه احتقار الشعب للضباط الأحرار.

الأيام السورية؛ سلام محمد

في اجتماع عبد الناصر مع وزرائه قبيل تأميم قناة السويس بساعات قليلة، سأل أحد الوزراء عن احتمال التعاون بين إسرائيل وبين بريطانيا وفرنسا في محاربة مصر، فاستبعد عبد الناصر ذلك، وعن طريق الأتراك، عرف الملحق العسكري المصري بتركيا أسرار الحشد العسكري في قبرص، فأرسل برقية إلى مصر يحذرها من العدوان، ويخبر القيادة أن العدوان سيكون قبل نهاية شهر أكتوبر، ولكن لم يعر أحد اهتمامه بتلك البرقية، فحضر الملحق العسكري بنفسه إلى مصر، وقابل عبد الحكيم عامر، ولكنه لم يجد منه صدى شافيًا، ولم تتح له مقابلة مع عبد الناصر، رغم إصراره بذلك، كما سرب الأمريكان معلومات إلى سفير مصر، بأن بريطانيا تدرب رجالها في قبرص، استعدادًا لغزو مصر، واعترف عبد اللطيف البغدادي ـ أحد الضباط الأحرار ـ بخطأ رأيه ورأي زملائه في تقدير الأمور.

إسرائيل تهاجم سيناء

في مساء الاثنين الموافق 29 أكتوبر قامت إسرائيل بالهجوم على سيناء وأسقطت بعض جنود المظلات، فصدرت الأوامر المصرية إلى رئيس هيئة أركان حرب القوات الجوية بضرب تلك القوات الإسرائيلية، ولكنه أجاب بصعوبة ذلك الأمر؛ لعدم توفر الوقود اللازم له، فطلب عبد الناصر من عبد اللطيف البغدادي أن يساعده عبد الحكيم عامر في الإشراف على التحركات الجوية.

إنذارال12 ساعة

في مساء يوم الثلاثاء (30 أكتوبر) قدمت بريطانيا وفرنسا إنذارًا لمصر وإسرائيل، تطلب منهما إيقاف القتال، وانسحاب مصر بمسافة عشرة أميال غرب قناة السويس؛ حتى تحتل بريطانيا وفرنسا النقاط الرئيسية في مدن القناة، وذكر الإنذار أن ذلك إن لم ينفذ خلال 12 ساعة، فستضطر بريطانيا وفرنسا للتدخل العسكري.

يقول البغدادي : “إن عبد الناصر لم يأخذ الإنذار مأخذ الجد، واستبعد إنزال الانجليز والفرنسيين لقواتهما في منطقة القناة”.

لم يستطع أولئك العسكريون أن يدافعوا عن البلاد ولا لمدة يوم واحد، وصدرت الأوامر بالانسحاب الشامل من كامل سيناء، وظهر القادة على حقيقتهم كالفئران تختفي في الجحور، بحسب وصف عبد الحكيم عامر، إذ بدأت الغارات يوم الخميس الأول من نوفمبر، وقد ألقى عبد الناصر بيانًا للشعب، ويذكر أسباب الانسحاب السريع، وفي يوم الجمعة، ملأت أصوات الانفجارات جو القاهرة، واستمرت الغارات، وأما الطائرات المصرية، فكما يقول أنور السادات كانت قد دمرت بضربة واحدة، وهي ما تزال على الأرض.

انهيار القادة

انهار عبد الناصر ورفاقه تمامًا، فكان رأي المشير عامر الطلب بإيقاف القتال؛ لأن الاستمرار في المعركة سيترتب عليه تدمير البلاد، وقتل الكثيرين من المدنيين، لكن البغدادي رد بأن الاستسلام سينتج عنه احتقار الشعب للضباط الأحرار.

عبد الناصر رفع التحية للجماهير (إضاءات)

المقاومة الشعبية

أدرك أهالي بورسعيد أنه يتحتم عليهم الدفاع عن أنفسهم وبلدتهم، وقد قاموا بدور مجيد في هذا المجال، وتصدوا بأسلحتهم البسيطة للقوى المهاجمة، وأنزلوا بها ألوانًا من الخسائر، في الوقت الذي هرب فيه مدير المباحث العامة من المدينة، وسلم البوليس أسلحته.

في يوم الاثنين الخامس من نوفمبر تدخل الرئيس إيزنهاور، وأمر بوقف القتال، وفي يوم الثلاثاء أعلن السكرتير العام للأمم المتحدة أن بريطانيا وفرنسا قد وافقتا على وقف القتال بمصر ابتداء من يوم الأربعاء السابع من نوفمبر.

الهزيمة نصر

تم الانسحاب الانجليزي والفرنسي في 23 ديسمبر عام 1956م، وتم انسحاب إسرائيل في مارس عام 1957م، ومع أن الانسحاب قد تم، فقد بقيت في شرم الشيخ قوة دولية حتى تستطيع إسرائيل استعمال خليج العقبة، وقد كانت تلك القوة الدولية من أسباب كارثة 1967م، وبعد الانسحاب سمّى عبد الناصر يوم الانسحاب بعيد النصر، وغمس في نفسه – كما يقول السادات – خرافة كبيرة تصوره البطل الذي حقق النصر على امبراطوريتين هما فرنسا وبريطانيا إضافة إلى إسرائيل.

من ذاكرة العدوان الثلاثي على مصر (اليوم السابع)

إحصائيات الخسائر

يقول الرئيس الراحل أنور السادات: إن الانسحاب من سيناء كلفنا ثلث قواتنا المسلحة، وقد دمرت فرنسا وبريطانيا جميع طائراتنا وهي ما تزال رابضة على الأرض، وكنا قد اشتريناها منذ أقل من سنة.

كان امتياز القناة سينتهى عام 1968م، فأممها عبد الناصر عام 1956م ليكسب لمصر 12 سنة، ولكن الإحصائيات توضح لنا أن حركة الملاحة في القناة أوقفت مرتين بسبب التأميم، المرة الأولى عقب حرب 1956 مدة عام تقريبًا، والمرة الثانية كانت عقب حرب 1967 التي ترتبت على حرب عام 1956م، وقد توقفت الملاحة تلك المرة 8 سنوات حتى افتتاح القناة 1975م، وقد كانت الملاحة تسير ببطء مدة عام كامل في كلا الحالتين التي أعيد فيها افتتاح القناة، وبذلك كانت المدة التي اعتقد عبد الناصر أنه أضافها لمصر قد ضاعت تمامًا بين الحربين.

فقدت مصر معظم طائراتها، وخسر الجيش عند انسحابه من سيناء خسائر كبيرة جدًا في صفوفه، كما استسلمت العناصر العاملة والحرس الوطني في غزة وشرم الشيخ.

ولا ننسى ذكر تلك التعويضات الباهظة التي دفعتها مصر بسبب التأميم لحملة أسهم شركة قناة السويس، فقد تم توقيع اتفاقية بين مصر وحملة الأسهم، دفعت لهم مصر بمقتضاها 34.5 مليون جنيه.

بقي أن نذكر أن إيدن في انجلترا وجي موليه في فرنسا لم يستطيعا البقاء في منصبيهما لدخولهما معركة دون التأكد من نجاحها سياسيًا كنجاحها عسكريًا، أما جمال عبد الناصر فقد ظل في منصبه تكلله الأبواق والدعايات الزائفة، بالرغم من هزائمه المتكررة والمتتابعة طيلة حكمه لمصر

تدمير بور سعيد في العدوان الثلاثي على مصر (بوابة الأهرام)

للمزيد حول الموضوع

تقسيم فلسطين والنتائج الكارثية لفساد جيش الإنقاذ

مصدر (موسوعة التاريخ الإسلامي ج) (أحمد شلبي، عهد عبد الناصر، عهد المظالم والهزائم) (أحمد حمروش، عبد الناصر والعرب)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.