معركة الجبل

محطات من التغريبة الشامية ٣١

لا شيء عاد كما كان قبل المعركة فقد ارتفع سعر صرف الدولار إلى ٣٩٠ ليرة سورية بعدما كان ٢٩٠ قبل المعركة، الأوضاع المعيشية بتراجع مستمر والقصف الروسي السوري لا يتوقف.

نور الشامي

المعركة قائمة على قدم وساق خاصة بعدما كشف “جيش الإسلام” أنه تم الاستعداد لمعركة الجبل -وهي سلسلة جبال محيطة بالغوطة الشرقية اتخذها النظام مرابض لقصف الغوطة-  منذ ٢٠١٤ عن طريق حفر الأنفاق، وتدريب المقاتلين، والسرية التامة هي العامل الذي أنجح الأمر في البداية، تم تحرير العديد من النقاط واغتنام الكثير من الآلات العسكرية وتدمير الكثير الكثير منها، إلى جانب أسر أعداد كبيرة من قوات النظام، استبسل الشباب في القتال والدفاع، تم تحرير الجبل وإقامة صلاة الجمعة بعد خمس سنوات من احتلال قوات النظام له وجعله مصدرا للحمم الصاروخية التي كانوا يصبونها صباً على الغوطة الشرقية.

اختلطت دموع فرحنا بالنصر بدموع الحزن على كل الذين فارقناهم من الشهداء العسكريين والمدنيين، إلا أن مقاطع الفيديو وصور المقاتلين الفرحين بهذا النصر والمستبشرين بتمام الفوز والفرج، مهنئين الشهداء وأهليهم وإقسامهم على إكمال الطريق نسفت كل خوف وتعب سكن بنا خلال كل سنوات الحصار.

 

أروع الملاحم البطولية

وبالفعل بعد ٢٤ ساعة تم تحرير القطعات والثكنات العسكرية الممتدة على مسافة ٣ كيلومتر من الاوتوستراد الدولي _أوتوستراد دمشق حمص_ أصبحت المنطقة بشكل كامل تحت سيطرة المجاهدين وسط تزعزع كبير في قوات النظام وهروب العديد من عناصره، حاول بعدها المقاتلين الحفاظ على هذه الأراضي المحررة بدماء الشباب لكن الغلبة للأقوى وليس للشجاعة فبعد ٤٥ يوم استطاع النظام استعادة السيطرة على فرع الأمن بعد ١٥٠ محاولة اقتحام، ليضطر بعدها المقاتلين للتراجع إلى النقاط الخلفية،  استمرت قوات النظام المدعومة من الطائرات الروسية بإتباع سياسة الأرض المحروقة على المدنيين وعلى نقاط الجبهات الأولى،  مما أجبرهم على التراجع أيضا ، سطر الشباب خلال هذه الأيام أروع الملاحم البطولية على الرغم من ضعف الإمكانيات مقارنة بالنظام، استمر التراجع من قبل “جيش الإسلام” شيئا فشيئا، لتنتهي بعدها المعركة بعد تدهور النظام ومشارفته على الانهيار لولا تدخل روسيا.

 

الخيبة

توترت الأوضاع بين المدنيين وبدأ التخوين والانقسام ، منهم من عزا أسباب التراجع لخيانة اللواء الأول في برزة وخوفه من كسر الهدنة القائمة مع النظام، ومنهم من أرجعه لكل المسؤولين عن خطوط الجبهات في كل المناطق المحررة حيث تم مناشدتهم لفتح جبهاتهم لتخفيف الضغط علينا إلا أن كلامنا لم يجد أذنا صاغية، ومنهم من تحدث عن ضغط كبير تعرض له قائد “جيش الإسلام” اضطر بعده بالإضافة لكل الأسباب السابقة للتراجع محتفظا  بما حققته هذه المعركة، تحدث الإعلام عن سبعة وثمانين شهيدا عسكريا لكن الأعداد على أرض الواقع مختلفة كليا، فقد ودع جيش الإسلام ما يفوق ال مئتي شهيد من خيرة مجاهدي الغوطة، منهم من قضى ودفن في مدافن الغوطة، ومنهم من بقي تحت الردم ولم يستطيعوا إخراجه ومنهم من كان مصابا وفجعنا بخبر اعتقاله.

تملكت الخيبة جل مشاعرنا، فقد كنا قاب قوسين أو أدنى من النصر، كان الشباب يذهبون للقتال عازمين على فتح دمشق وتحريرها وكأنهم ممسكين بذلك الحلم بأيديهم، نحن الذين ثارت فينا كرامة التراب، لقد أنهكتنا أخيرًا الخيبات وهزمنا تكرارها!..
ها نحن نتمايل في الهواء، قدرتنا على المقاومة منوطة الآن بقوّة تحملنا للمزيد وبإيماننا القوي بالله تعالى، ليعلن النظام الروسي عن بدء  تدخله رسميا في الشأن السوري ومساندته للنظام وإمداده بكل احتياجاته ويبدأ مع هذا الخبر فصل حزين مؤلم من حياتنا.

 

أقفاص حديدية

كان لا بد من إيجاد حل لتخفيف وطأة القصف والخراب الحاصل، لنستيقظ في اليوم الأول من تشرين الثاني  على حدث كان الأغرب والأدهى في الغوطة، فقد عمد قائد “جيش الإسلام” على تفصيل أقفاص حديدية كبيرة الحجم بحيث تتسع لسبع أو ثمانية أشخاص، ووضع فيها عددا من أسرى النظام من الضباط أو عوائلهم ونشرهم في الشوارع الرئيسية الأكثر عرضة للقصف، وقام بتصوير عدد من المقابلات كانت إحداها لعقيد ركن، وأخرى لسيدتين علويتين طالبوا في هذه المقابلة رأس النظام بإيقاف القصف مباشرة، متحدثين أيضا عن حسن معاملة الفصائل لهم متمنين إيجاد سبيل لخلاصهم، لاقت هذه الحادثة رواجا كبيرا وتأييدا بين سكان الغوطة  لِلي ذراع النظام وإجباره على إيقاف القصف سرعان ما انتشرت الأخبار والمقاطع، وينتشر بعدها شائعات عن هدنة مزعومة بوساطات دولية لكن لم يتم الموافقة بين الأطراف فهذا نظام لا أمان له ولا ذمة فرغم التعب المضني والقصف المميت والجوع المدقع والحصار إلا أننا كحاضنة شعبية نرفض أي نوع من الهدن من خلال المظاهرات والاعتصامات نؤكد خلالها على ثبات موقفنا ومطالبنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.