معركةُ الرقة: صندوقُ داعش الأسود

بقلم:  د. محمد عادل شوك
كثيرةٌ هي الأضاليلُ حول الملف السوريّ، والمثير للاهتمام فيها أنها مقصودة و منظمة إلى حدٍّ بعيد، و هي تدور حول أطرافه الثلاثة: داعش، و النظام، و قوى الثورة.
و القاسم المشترك فيها أنها تقدم صورة غير واقعية عنها؛ لا بلْ مغايرة، و المثال الأوضح فيها، ما كان حول ( داعش )، حيث تمّت المبالغة في قدراته و امتداداته؛ لتبرير إقامة تحالف دولي ضده تقوده أمريكا، و تشارك فيه روسيا لاحقًا مع حليفيها ( إيران، و نظام الأسد ).
 و وسط هذه الحملة من الكذب و التهويل حوله، كانت تتوالى تصريحات لسياسيين وعسكريين، من بينهم مسؤولون أميركيون كبار، في أن الحرب عليه قد تستغرق عشر سنوات، إن لم يكن أكثر.
و الحقيقة التي يتناساها هؤلاء أنّ ( داعش ) جهاز وظيفي محدود القدرات و الطاقات، لم يتمّ السكوت عن نشوئه و تمدده فحسب، بل إنّ أطرافًا إقليمية ودولية ساعدته بشكلٍ ما، وقدمت له كل وسائل الاستمرار، في وقت كانت تعلن فيه العداء اللفظي له، و الحرب عليه.
 و المثال الأوضح في ذلك ما قام به نوري المالكي، الذي سمح بهروب مئات من عناصره من سجنَي أبي غريب، و الكاظمية، ثم فتح لهم الحدود مع أسلحتهم نحو سورية، قبل أن يقوم بتسليمه الموصل بما فيها بنوك، و معسكرات.
 و ما كان ليكون هذا الأمر لولا تفاهم إيران مع حليفيها ( الأسد، و المالكي )، وموافقة روسية، وسكوت أمريكا؛ و هو ما ساعد كثيرًا في تكريس أكذوبة ( داعش ).
إن ( داعش ) الذي يقدمونه كأسطورة لا تقهر، يقف أمام حالتين من المواجهة:
1ـ الحالة التي هزمته فيها فصائل من الجيش الحر، في ريفي حلب و إدلب في عام 2014، وكبدته أكثر من ألف قتيل، ودفعته للانكفاء نحو الشرق، و لولا التضييق على تلك القوات في السلاح والذخيرة في حينها، لكان بإمكانها القضاء عليه، و انتزاع الرقة من تحت سيطرته.
2ـ حالة التحالف الدولي بزعامة أمريكا ضده، قبل أن ينضمّ إليه تحالف ( روسيا ـ إيران ـ بشار )، حيث لم تتحقق فيها أية إنجازات ذات شأن، على الرغم من الإعلان عن قتل عشرات من أعضاء التنظيم وقياداته في مئات من الطلعات الجوية، فلم تتمخض عن انتزاع متر واحد من تحت سيطرته، لا بلْ قتلت سكانًا مدنيين أغلبهم يعارضه في المناطق التي يسيطر عليها، و دمرت قدراتهم البشرية والمادية؛ مما أدى إلى تقويته، و ليس إضعافه.
إن التفاوت بين نتائج هاتين الحربين على ( داعش ) لتكشف أُسس الأكاذيب و التهويلات، التي يروجها الإعلام حوله، وتدعمها تصريحات مسؤولين سياسيين وعسكريين ممن لهم صلة و تواصل مع القضية السورية، و يكمن خلف تلك الأكاذيب جملةٌ من الحقائق، منها:
1ـ عدم توفر إرادة سياسية وعسكرية لدى أصحابها لحرب جدية عليه، و هذا ليس ناتجًا عن عجز سياسي لدى أصحاب القرارات فقط، بلْ لاستخدام وجوده في تبرير سياسات وممارسات، تتجاوز في بعدها المجال ( السوري ـ العراقي )، الذي يشغله ( داعش ) إلى مجالات أخرى.
 و هو الأمر الذي أدركت مغازيه ( تركيا، و السعودية )؛ فألحّتا على المشاركة في القوات التي تتهيّأ لاجتياح مناطقه، تمهيدًا لاجتثاثه؛ فلم تتحمّس أمريكا لذلك، و فضلت أن يكون ذلك من دونهما، و حتى من فصائل المعارضة السورية المعتدلة المدعومة منهما، في مقابل أن تشرك في ذلك حلفاءها الجدد، ممثلين بقوات سورية الديمقراطية، ذات الغالبية الكردية.
 و علا الصراخ ( الروسي ـ الإيراني ـ السوري ) في وجوههما بحجة عدم شرعية طلبهما، لأنّ النظام غير مرحب بعرضهما، و عدّوا أيّ مسعى منهما نحو ذلك قوة احتلال، و عدونًا على سيادة سورية.
2ـ أنّ الإبقاء على ( داعش ) يعطي مبررًا لعدم الذهاب إلى حل حقيقي للقضية السورية، و يعطي الذرائع للأطراف الدولية والإقليمية في التهرّب من مسؤولياتهم في استمرار هذه الكارثة.
3ـ أنّ الإبقاء على هذا الصندوق الأسود مغلقًا، من غير فكّ لشيفرته، أمرٌ تسعى إليه كلٌّ من ( أمريكا، و روسيا، و إيران، و الأسد ) على حدٍّ سواء؛ من أجلّ المضي في سياساتهم في المنطقة، كلٌّ منهم حسب الغاية التي يرمي إليها.

 
إنّ معركة الرقة ضد ( داعش ) في حال اكتمالها، و لاسيّما بمشاركة دول من ( التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب )، كتركيا، و السعودية؛ لسوف تبدل الكثير من المعطيات حول القضية السورية، و لسوف تكشف كثيرًا من الغموض التي أُحيط بها.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.