معتقلة سابقة.. طلعنا على الحرية ولسنا نادمين

هل سأحيا حتى نتنشق الحرية المنشودة؟ أم أن لغة المصالح الدولية والقوى السياسية التي لا تعلوها لغة ستسرقها من جديد؟.

الأيام السورية؛ علياء الأمل

انخرطت في الثورة السورية كباقي نساء سوريا منذ صرخة الحرية الأولى١١ آذار في مدينة أريحا، وقفت على الشرفات ورششت الورود، وعلا صوتي بالزغاريد، أخذت على عاتقي مساندة الرجال في مظاهراتهم السلمية، كنت أسقيهم الماء وأشجعهم، وأغسل وجوههم بعد ضربهم بالغاز المسيل للدموع… تقول السيدة الخمسينية أم علي والدة لخمسة شباب وأربعة بنات، فقدتْ منهم اثنين في معارك الشرف ضد طغاة دمشق المستبدين.

المشاركة في المظاهرات

تقول: كنت أضع الخمار على وجهي خوف أن يكشف أمري من الشبيحة الموالين عند مساندتي للثوار في حراكهم السلمي، ومظاهراتهم التي كانت تجوب مدينة أريحا؛ متحدية مظاهر العنف المفرط والقمع والقتل في الميادين، وكنت أقف خلف الرجال رغم علمي أنني قد أواجه مصيرا مجهولاً ويشي بي أحدهم.

تنفست وأولادي وزوجي هواء الحرية، فما بعد ١١ آذار ليس كقبله، حيث انشق ولديّ من خدمة النظام، وتمكنوا من الهرب من حمص مكان خدمتهم الإلزامية إلى أريحا بعد تزويرهم لورقة الإجازة الرسمية، والتحقوا بركب الثوار الشرفاء، وخاضوا عدة معارك إلا أن سقطا شهيدين على أبواب مدينة أريحا.

استشهاد الأبناء ووفاة الزوج

تتابع: بعد استشهادهما توفي زوجي بأزمة قلبية مفاجئة، لأجد نفسي مسؤولة عن تربية الأولاد أكبرهم ابنتي التي لا تتجاوز الستة عشر عاماً، وبدأت بالبحث عن عمل أعيل به أسرتي، وبالفعل؛ كنت أعمل كأجيرة في قطاف الزيتون والمحلب والكرز حسب الموسم المتوفر، وحال انصرافي أحضر للبيت نسج الطاقيات التي أستمر بها طويلا مقابل أجرة زهيدة، ومع ازدياد المسؤوليات والغلاء وتشجيع النسوة لي لأذهب إلى حماة وأتقاضى راتب زوجي المتقاعد قررت الذهاب لكن الخوف كان يملأ فؤادي فالرجل الذي كان يحضر لي الراتب قد منع آخر شهرين.

الاعتقال

بعد طول تفكير قررت الذهاب فالراتب ليس منة من آل الأسد، وذهبت إلى حماة وبعد استلام راتبي أحاط بي مجموعة من عناصر الأمن، وساقوني للاستجواب، علمت وأنا في طريقي لفرع الأمن أنني لن أرى الأولاد بعد اليوم، وأن الاعتقال والتعذيب والقهر من نصيبي ولكني والحمد لله ذهبت مرفوعة الرأس لم أخف أمامهم وكأن قوة إلهية تملكتني، وبقيت في زيارتهم أربعة أشهر لا تحسب من عمري، لم يحترموا سني، دقت مختلف أنواع العذاب وانكسرت أسناني الأمامية، وسمعت أنين الرجال تحت وطأة التعذيب… كانت أياما لا تنسى.

طلبنا الحرية ولسنا نادمين

لحسن حظي تم مبادلتي مع نساء كثيرات حتى رأيت النور من جديد، عدت من الموت المحتم، تقول أم علي بعد خروجها: رجعت من حسنة بناتي وأولادي، عدت من الموت وولدت من جديد وكما يقال الداخل مفقود والخارج مولود.

تتابع بشيء من الإصرار: طلعنا على الحرية، نادينا، وتظاهرنا، واستشهد الأولاد، ولسنا نادمين؛ فالثورة فكرة والفكرة لا تموت، لا أريد راتبا ولا مالا وهو حق لنا، نريد حرية قدمنا لها الغالي والنفيس… تتساءل والألم يلفها: هل سأحيا حتى نتنشق الحرية المنشودة أم أن لغة المصالح الدولية والقوى السياسية لا تعلوها لغة؟.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.