معبر باب الهوى في الميزان الروسي

تدرك موسكو أن عمليات الاستجابة الإنسانية ذات آلية ديناميكية تتأقلم مع الظروف الطارئة، من خلال ابتكار حلول لها. لذا فإن استخدام الفيتو لتعطيل تمديد التفويض الخاص بإيصال المساعدات سيسقط من يديها أوراق نفوذ وابتزاز ويضعها في موقف أخلاقي لا ترغب أن تكون فيه.

الأيام السورية؛ عمار جلو

لم تنجح قمة الرئيسين الامريكي والروسي إلا بإزالة الجليد المتراكم بين البلدين إضافة لإرضاء غرور الرئيس الروسي بالعودة للفاعلية الدولية رغم ما شاب هذا الرضا من غياب لمؤتمر صحفي يجمع الرئيسين، غابت قضايا وحضرت أخرى خلال القمة فيما غاب جوهر القضية السورية وحضرت إحدى أثارها الخاصة بالجانب الإنساني في الشأن الخاص بالمساعدات وآلية إيصالها وكغيرها من القضايا المطروحة لم تحظ بتوافق بين الجانبين، ومع اقتراب موعد نهاية التفويض الأممي لإيصال المساعدات إلى سوريا، هل ستتمسك موسكو بموقفها الرافض للتمديد؟

انضم المبعوث الأممي “غير بيدرسون” إلى جوقة الداعين لتمديد التفويض الأممي لإيصال المساعدات الإنسانية إلى سوريا عبر الحدود، وهو ما ترفضه موسكو لما يمثله من خرق للسيادة السورية على أراضيها حسب الرؤية الروسية. لذا تم انتقاد مشروع القرار الذي تقدمت به كلٍ من آيرلندا والنرويج المسؤولتان عن الملف الإنساني في الأمم المتحدة، كما انتقدته الولايات المتحدة بوجهة نظر مغايرة للوجهة الروسية، فهو لا يسعى لاعتماد معابر حدودية جديدة حسب وجهة نظر واشنطن. فقد اقتصر مشروع القرار على طلب التمديد لمعبر باب الهوى ومطالبة بفتح معبر اليعربية على الحدود العراقية السورية فيما ترغب واشنطن تضمينه معبر باب السلامة أيضاً ، في الوقت الذي تطالب به موسكو بآلية إدخال المساعدات عن طريق دمشق بعد تغيير الظروف التي رافقت صدور القرار ٢١٦٥ لعام ٢٠١٤ ومنها وجود داعش لاعتماد آلية إيصال المساعدات عبر الحدود، وفي رسالة وجهها وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف” إلى الأمين العام للأمم المتحدة “انطونيو غوتيريش” اتهم فيها دول غربية بالابتزاز والتهديد، بالتوقف عن تقديم المساعدات. فيما أصر على إمكانية تقديم المساعدات عبر خطوط النزاع. كذلك صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مقابلة على قناة NBC الأمريكية بقوله: ” إنه يجب تقديم المساعدات الإنسانية عبر الحكومة المركزية للبلاد ” في إشارة إلى نظام الأسد.

إلا أنه بالعودة لقمة الرئيسين الروسي والأمريكي الواردة في مقدمة المقال فقد تم التوافق خلالها على متابعة الحوار للوصول إلى الاستقرار الاستراتيجي. لذا تم إعطاء الضوء لعودة سفراء البلدين إلى مقار بعثاتهم للتحضير لهذا الحوار الهادف. إيجاد حلول للقضايا العالقة بين البلدين ومنها القضية السورية التي وقع شقها الإنساني، أول امتحان للحوار المأمول بين البلدين. لذا لن يفوت الرئيس الروسي هذه الفرصة وسيبقي الباب موارباً دون إغلاقه قبل بدء الحوار، وهو الشخص الذي جمع غرور قيصر والعقلية المخابراتية التي تدرك الوقت المناسب لالتقاط الهدف بعد المراقبة والاستدراج. لذا لن تغامر موسكو باستخدام الفيتو ضد قرار تمديد التفويض المقرر مناقشته في مجلس الأمن ١١ يوليو المقبل، لا سيما بعد الإشارة التشجيعية من قبل واشنطن بعدم فرض عقوبات جديدة بموجب قانون قيصر مع تقديم استثناء مواد طبية من العقوبات، إضافة للسماح بتقديم المساعدات عبر خطوط التماس بين مناطق النفوذ في سوريا.

وهذه النقطة برأيي أحد مسببات الدعوة لمؤتمر أستانا، في سعي روسي للحصول على التزام تركي بفتح معابر داخلية، وهو ما سبق رفضه تركياً وقطرياً في الأشهر الماضية. حيث يقوم جوهر السياسة الروسية في سوريا على الحصول على تنازلات ومكاسب من جميع الأطراف المتناقضة المواقف والمصالح في القضية السورية، حتى غطت على السياسة البريطانية عشية الحرب العالمية الأولى بحجم التوافقات والمعاهدات التي أبرمتها والتي لا يمكن تنفيذها جميعاً لتعارض بعضها مع البعض الأخر. وقد نجحت الدبلوماسية الروسية حتى الآن في ضبط الأطراف المتناقضة تحت إيقاع المصالح الروسية ضمن هدف الوصول إلى لحظة استحقاق الحل السياسي الموقوف نتيجة التجاهل الأمريكي. وقد يُعّبد قرار تمديد التفويض لإيصال المساعدات العابرة للحدود، طريق لهذا الحل ضمن سياسة الخطوة خطوة كما يقترح المبعوث الأممي غير بيدرسون بعد الصعود الروسي لمقعد الفاعل الدولي بوساطة المصعد السوري.

تدرك موسكو أن عمليات الاستجابة الإنسانية ذات آلية ديناميكية تتأقلم مع الظروف الطارئة، من خلال ابتكار حلول لها. لذا فإن استخدام الفيتو لتعطيل تمديد التفويض الخاص بإيصال المساعدات سيسقط من يديها أوراق نفوذ وابتزاز ويضعها في موقف أخلاقي لا ترغب أن تكون فيه. وستبقى المساحة التي تقوم فيها موسكو بالضغط تتعلق بمدة قرار التفويض مع تعديل لبعض آلياته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.