معارضون؛ لا بيت فستق ولا لعانون

خلّفت الحرب الطاحنة في سورية اتجاهين فكريين سادا خلال السنوات الماضية؛ جوهر الخلاف امتد بعيداً ليطال أسلوب وطريقة الحوار؛ بين أبناء سورية.

78
الأيام السورية؛ فرات الشامي

تلاحق الشعب السوري لعنةٌ سببتها الحربُ؛ لكنها تحمل في طياتها بذور رواسب فكرية عقيمة موروثة، ولعل الوسط المثقف والعوام -في الداخل تحديداً-يدرك عمق المحنة والمخاض الأليم.

في مطالعةٍ دقيقة لحالة الخلاف الذي يشترك فيه طرفا الصراع المعارض والموالي؛ نكتشف عمق الهوة بين أبناء سورية؛ والتي تعود جذورها إلى حقبة الأربعين العجاف زمن حافظ الأسد.

التقوقع الشعبي خلف “الطائفة” مثال صارخ على فقد الإحساس بالانتماء الحقيقي للوطن؛ كبديل يجمع الأبناء ويرعاه تحت مظلة التعايش الوطني؛ بما يخدم مصلحة سورية كقوة حقيقية في المنطقة.

أسهم الشكل السابق في بروز خيار الاقتتال ضمن العائلة الواحدة التي في الغالب تنتمي لضروب متنوعة من الانتماءات القومية والطائفية؛ فالأسرة السورية غنية بتنوعها؛ الكردي يتزوج من العربية، والعكس صحيح، الشيعة والسنة والعلويون؛ وإن بقيت بعض الطوائف كالدروز محافظةً على حالها دون انصهارٍ بالآخرين؛ فلا يعني ذلك ابتعادها كلياً عن النسيج الوطني.

لعل النقاشات التي تدور على العلن في الداخل حول طبيعة الاستحقاق القادم سياسياً واجتماعياً؛ يصب في نهاية المطاف تحت عنوان “إنسانية المجتمع السوري” كقوة مستقبلية؛ لكن الملاحظ غياب عقلانية الحوار، ومزجه بخلفيات إيديولوجية أو رواسب فكرية سابقة؛ حولته من قالب المصلحة العامة إلى الشخصنة والشللية، وربما وضعته في إطار يخرج به عن سياقه الثقافي والإنساني.

الصورة السابقة وإن بدت قاتمة في مرحلةٍ ما؛ لكنها ليست طفرة فكرية؛ بل نتاج طبيعي لسنوات فقد الهوية الوطنية السورية، وهي في هذا الإطار خروج من عباءة الماضي إلى الحاضر؛ بعملية ثقافية أقرب ما تكون إلى حالة الولادة الطبيعية التي تستلزم سيل من الدم والمخلفات قبيل سماع صرخة “الطفل”.

“الطفل” هو سورية في هذه المقاربة؛ وسورية تستلزم بالضرورة ممن ينتمي لها التفكير بمستقبلها ودورها؛ وهذا لا يمكن أن يستقيم في إطار المشاكسة الكلامية؛ التي تنتهي بنوع من الشتائم بين الأطراف التي يفترض أن تلتف حول ذات القضية؛ بل لا يصلح أن تكون مقدمة لإرساء أركان حوار حضاري تصالحي في وقتٍ لاحق.

قسوة الفضاء الأزرق “الفيس بوك” ارتفعت بصوت الاقتتال البيني، لتشكل منبراً جديداً للحرب؛ تضاف إلى معركة السلاح التي تدور طاحونتها على الأرض؛ وبدل أن تكون قيمة مضافة للبناء؛ باتت معول هدمٍ آخر ضرب النسيج السوري، بسبب صبيانية المتسلقين على “النخبة الثقافية” وبشكلٍ مباشر على طبيعة السوريين المعروفة بنقاء سريرتها.

لعنة الشتائم المتبادلة لا تمثل الفكر الحضاري السوري؛ بالمقابل، هل المطلوب أن نداري الجريمة، ونتستر على القاتل؟

كلا الأمرين مرفوض؛ في مرحلة الحوار مع المخالف؛ يفترض بناء الثقة أولاً، ثم العمل وفق معادلة “لا بيت فستق، ولا لعانين”… طرح الحقائق بأسلوبٍ راقٍ يهدف إلى لمِّ الشمل؛ خيرٌ من الشتيمة على العلن أو في وسائل التواصل الاجتماعي.

ليس من المبكر أن نخوض في الحديث عن “الحوار الوطني”؛ بل لا بد في لحظةٍ كهذه، تعرت فيها جميع الأطراف أن ننظر بتأمل إلى مصير سورية، المرهون بأيدينا لا سيما جيل الشباب.

محاكمة المجرم؛ ومحاسبة المقصّر، ثوابت لا تختلف عن ثوابت الثورة السورية التي طالبت بالتغيير الجذري اجتماعياً وسياسياً، فهل تبنى تلك الأسس على قيم تخالف الأخلاق؟

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا باللَّعَّانِ. ولا بالفاحشِ ولا بالبذيءِ» (السلسلة الصحيحة)، أخرجه الترمذي وصححه الألباني.

لسنا مطالبين بالعامية الدارجة أن نكون “بيت فستق” نسكت عن هفوات بعض، أو نجامل المخطئ بحجة “اللحمة الوطنية”؛ كما أنّنا بمسيرة “اللعن للآخر” ننحرف عن قيمنا وأخلاقياتنا الحضارية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.