مطالعة أولية لقرار مجلس الأمن..

بقلم: عقاب يحيى_

بات تعبير خريطة طريق الداخل بقوة على المصطلحات السياسية يعني أن القوى الدولية : الكبرى.. والمعنية، وصاحبة الشأن والقرار، قد توافقت على رسم خريطة مفصلة لمستقبلنا ولبلادنا، ووضعت فيها النقاط والحروف، والألوان والتضاريس، والمسالك والدروب، والتكتيكات وأزمنة الوصول، والمحطات والاستراحات، ولم يعد علينا ـ نحن الشعب السوري ـ سوى إعلان الاستعداد، وتجهيز اللازم للدخول في محتويات ما اتفقوا عليه .
وحين ينال قرار إجماع أعضاء مجلس الأمن الدائمين وغير الدائمين..

ذلك يعني أن تسوية ما حصلت، وأن الصياغات غالباَ ما تكون ملتبسة، وغامضة، وقابلة لأكثر من تفسير ولشدّ ومطّ وتقلّص ..
ـ بين الموقف الروسي، ومواقف” اصدقاء الشعب السوري” خاصة بعضهم الملتزم ـ نسبياً ـ بثوابت الثورة السورية.. مسافة كبيرة، وخلاف بيّن حول قضايا مهمة، تتعلق بجوهر التسوية، وتطبيقات بيان جنيف 1 ، ومدى صلاحيات الهيئة الحاكمة، ومدة العملية التفاوضية، ولبّها، ومصير وموقع الأسد ورموز النظام فيها..إضافة إلى خلافات تتناول “الوفد المفاوض”، أو وفد المعارضة المنبثق عن مؤتمر الرياض، وقصة تصنيف المنظمات المقاتلة على أساس الإرهاب..
ـ القرار يتضمن، ولا شكّ، نقاطاً إيجابية .

انطلاقاً من الاتفاق العام على الحل السياسي، وعلى وحدة البلاد، وإيقاف إطلاق النار، والتوقف عن قصف المدنيين، ومجموع ما يعرف بإجراءات الثقة الممهدة، وذكر قرار جنيف كمرجعية، وتوافقات فيينا.. وتحديد سقف العملية التفاوضية والانتقالية..
ـ وبالوقت نفسه فإن الحديث عن هيئة انتقالية خاصة يحمل ضمناً تقليصاً لموقعها، ودورها، وإمكانية الالتفاف على جوهر صلاحياتها.

ذلك أن ينود جنيف 1 نصّت على تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية بصلاحيات كاملة، وبما يعني ـ مباشرة ـ أن جميع صلاحيات الرئيس، ورئيس الوزراء، والهيئة التشريعية ” مجلس الشعب” ستتحوّل إلى هذه الهيئة وما ينبثق عنها من هيئات، خاصة تشكيل حكومة انتقالية مشتركة، وجسم تشريعي يقوم بإعداد وثيقة الدستور وعرضه على الاستفتاء الشعبي، والقيام بحل الأجهزة الأمنية وإعادة تشكيلها وفق المهنية، وبعيداً عن التشعب، والقتلة، وكذا الأمر فيما يخصّ الجيش بتحويله إلى جيش وطني محترف لا علاقة له بالسياسة، ولا بالتدخل فيها، ولا بأي حزب من الأحزاب، ومعالجة موقع المنشقين والمسلحين فيه .

وقصة وقف إطلاق النار وكيفياتها ومراقبتها، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين والمهجرين..

وعشرات المسائل الفرعية الهامة.. وصولا لانتخابات رئاسية وتشريعية .
ـ التوافق الذي حصل في القرار الأممي 2244 لا ينصّ صراحة على تلك الصلاحيات الكاملة، محاولاً عبر التوافق الذي حصل، وإرضاء الموقف الروسي جعل ذلك الجسم أضعف مما نصّت عليه بنود جنيف ، والغموض المقصود حول مصير الأسد، والاتكاء على مقولة عامة، وفضفاضة.. بأن تلك المسائل هي شأن الشعب السوري..

وبما يعنيه ترك الأمر مفتوحاً لمزيد الاختلاف، والتباين، وتعدد التفاسير .
ذلك أن المعارضة، بما فيها المجتمعة في الرياض، والتي توافقت في البيان الختامي، قررت موقفاً لا لبس فيه حول مصير الأسد، وأنه لا يمكن أن يكون جزءاً من العملية التفاوضية، وليس له أي دور فيها، ولا في مستقبل سورية .
ـ ورغم أن البعض يميل إلى تفسير دخول عملية المفاوضات بوجود الأسد ونظامه ـ كأمر واقع ـ للفترة التفاوضية التي قدّ تمتدّ ستة أشهر، وربما أكثر.. فإنه مجرد الشروع بتشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية يجب أن ينتهي دوره، وأن يوضع خارج تلك العملية .. شرطاً لا يمكن التراجع عنه، ولا التساهل فيه.. وهو ما سيشكل أحد نقاط الاختلاف عن الموقفين الروسي، والإيراني..
ـ هنا.. نلاحظ أن الموقف الروسي تقايضي، وقابل للزحزحة مقابل ضمانات ما لبقاء مصالحهم ونفوذهم في بلادنا، بينما الموقف الإيراني، خاصة ذلك الذي يقوده خامئني، والجناح المتشدد، المهيمن في إيران، ما يزال يعتبر الأسد ونظامه خطاً أحمر..

بكل ما يحمله ذلك من دلالات، وبكل ما يعنيه الأمر من خوف إيراني على انهيار مشروعهم الاستراتيجي وإصابته في مقتل حين يتمّ قطع أهم حلقاته وجسوره .
ـ روسيا التي تمارس حرباً عنيفة ضد المعارضة، والتي تحتل بلادنا ـ بكل ما للاحتلال من مواصفات ـ والتي تراهن كل يوم على تغيير ميزان القوى لصالح النظام ونفوذها، ووضع النتائج على طاولة المفاوضات القادمة لإجبار قوى المعارضة على مزيد من التنازلات، وعلى الإٌقرار بما سيفعله ذلك من تداعيات، تواجه أزمة فعلية في عدم تحقيق ما تخطط له..

ليس بسبب قوة وفعالية صواريخها وقذائفها النوعية، وعنجهية تصريحاتها عمّا تمتلك من وسائل الإبادة والتدمير، وسياسة الأرض المحروقة التي تتبعها، وإنما، وبسبب رئيس، لعجز النظام المنهار، والمفكفك عن توظيف ذلك القصف لإعادة سيطرته على المساحات الكبيرة التي خرج منها..

ناهيكم عن الخوف الروسي من التورط في المياه السورية العميقة، وما يكلفه احتلالها من نفقات كبيرة لا يتحملها وضعها الاقتصادي الصعب، وما سينتج عن فعلها من آثار بعيدة المدى في مواقف الشعب السوري تجاههها..

لذلك صارت تبدي نوعاً من المرونة بتسويق عديد التسريبات عن عدم تمسكها برأس النظام، وإعادة الأمر إلى قرار وإرادة الشعب السوري، والاندفاع المظهري في طرح المبادرات السياسية، والدعوة لحل سياسي للأزمة السورية .
ـ لكنها بالوقت نفسه تريد فرض عديد الشروط التي تحقق مآربها التي لم تستطع الوصول إليها بالحرب الإبادية التي تمارسها، من خلال ثلاث اعتراضات تلح عليها : طبيعة الوفد المفاوض من المعارضة، والإلحاح على وجود أنصارها بقوة فيه..

ورفضها لبيان مؤتمر الرياض، وتوسيع دائرة تصنيف المنظمات الإرهابية لتشمل مجمل القوى الإسلامية المقاتلة بما فيها التي ساهمت في مؤتمر الرياض، وتمييع مضمون بيان جنيف 1، خاصة لجهة صلاحيات الهيئة الحاكمة الانتقالية، والمطّ في المرحلة التفاوضية،والانتقالية بواقع بقاء النظام بكل ثقله الأمني والعسكري، وكبار رموزه من المجرمين والقتلة..

ولمَ لا الدخول في انتخابات مرتبة يكون من حق القاتل الأسد الدخول فيها …
***
لكن لسيت جميع الشروط، أو الحسابات الروسية، والشروط الإيرانية قدراً مفروضاً على المعارضة وقوى الثورة..

فإلى جانب مواقف الأشقاء والأصدقاء الذين يلتزمون بالمبادئ المشتركة، خاصة حول طبيعة العملية الانتقالية، ومصير رأس النظام وكبار رموزه..وعددي القضايا المفصلية..

هناك قوى الثورة السورية في الميدان، وفي الجانب السياسي القادرة على تقويض كل ما يناقض إرادة الشعب السوري، وتضحياته.. خاصة وأن التوافق السياسي الذي كرّسه مؤتمر الرياض، ووقوف معظم أطياف المعارضة في خندق الموقف الموحد..

سيكون العامل المهم في التشبث بالثوابت والمبادئ، وبرفض وجود الأسد ونظامه المجرم ليوم واحد.. ومواجهة محاولات فرض ميزان قوى بمزيد التصميم، والعمل المشترك على الأرض ..
عقاب يحيى
18 كانون الأول 2015

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.