مضمون الدولة السورية القادمة – لينا موللا

الكون الذي نسبح فيه متغير باستمرار، حتى تركيبة الدول التي نعيش فيها تتغير، فبعد أن كان عدد الدول في مطلع القرن العشرين لايتجاوز 20 دولة، أصبحت بعد الحرب العالمية الثانية في حدود 195 دولة، بعد أن حصلت دول كثيرة على استقلالها من الدول المستعمرة .

لقد تغيرت المفاهيم ، فيعد عصر الأمبراطوريات والمقاطعات، تفككت تلك التجمعات الضخمة إثر الميل الجارف للشعوب نحو دول قومية تحفظ خصوصيتها ولغتها وتاريخها .

لقد انحلت السلطنة العثمانية لتنشأ مكانها عشرات الدول، لكن شكل الدول ما لبث أيضاً أن تغير مع بدايات القرن الواحد والعشرين مع عجز تلك الدول من منح مواطنيها حقوقهم ومتطلباتهم، وتقسمت كل منهم إلى دول جديدة .

وهكذا تفككت كل من الصومال و كوسوفو وتيمور الشرقية والعراق والسودان… والحبل على الجرار، وربما شاهدنا حالات تفكك ممكنة في قلب أوروبا .. من كاتالونيا الاسبانية إلى بلجيكا واسكتلندا وايطاليا، كل شيء آيل للتغير والتطور مع فشل شكل الدولة القومية ووصولها إلى منتهاها .

وإذا كانت الدولة القومية غربية المنشأ، إلا أن تطلعات البشر المكونين لها تتغير، دون أن يعني هذا انكفاء هذه الدول عن العوامل المشتركة الموحدة لشعوبها إلى نظرة دينية شوفينية ضيقة و قاصرة عن منحها الحلول لمشاكلها وتطلعاتها .
فالشعوب على اختلافها تخشى هيمنة الدولة المركزية وخنقها لثقافتها و تفاصيلها التاريخية .

العالم اليوم بالمقابل يتطلع إلى التجمعات الاقتصادية، كخروج عن هيمنة الدولة بقوانينها وشروطها إلى شكل شركات متعددة الجنسيات والأقرب إلى الحرية الفردية.

ستتغير أشكال الدول باستمرار طالما عجزت عن تأمين تطلعات شعوبها تطلعات متبدلة بتبدل الظروف والمتطلبات، صحيح أن الدول الكبرى تسعى إلى تحقيق مصالحها بالقوة والحيلة، لكن يبقى ذلك في حدود معينة، لأن البشر يحكمهم طوق متزايد للحرية، والعولمة ساهمت و تساهم على التسريع في تحريضهم على نيل المزيد من الحقوق، وستعمل التكتلات الكبيرة لتغيير أنماط هيمنتها، وسيبقى هناك سباق محموم بين النظرية وتطبيقها .

وحدها الديمقراطية القادرة على التعبير عن تطلعات الشعبوب المتبدلة لأنها قادرة على التبدل دون أن يؤثر ذلك على شكل الدولة وانسجام أطيافها الاجتماعية .

إن ما يحدث في ليبيا ومصر وتونس هو صراع بين شعب يبحث عن دولة المؤسسات وعن حرية الرأي والمعتقد ، وبين روح قبيلية جهوية وفئوية ما تزال مصرة على الهيمنة، إصرار يتعامى عن التحولات الدولية والعالمية، وحاجات الشعوب، وبالتالي لا شك أن هذه الهيمنة ستذوب مع وطأة المطالبة والاحتجاجات .

هذه القراءة تستتبع الحذر في صورة سوريا القادمة، إذ لا بد من إرساء مبادئ الديمقراطية التي ستشكل الضامن الرئيسي لبقائها متماسكة أرضاً وشعباً، دون إغفال المواطنة والعدالة والحرية .

قادمون
لينا موللا
صوت من أصوات الثورة السورية

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.