مصر: خطة من 3 محاور لـ”تجديد دماء البرلمان”

من صحيفة العربي الجديد اخترنا لكم تقريراً عن البرلمان المصري وجاء في نص التقرير
لم يعد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مضطراً للتلويح بصدور حكم قضائي من المحكمة الدستورية العليا بحلّ البرلمان، لتخويف النواب وتحفيزهم بصورة أكبر وأكثر تأثيراً على إقرار سياساته وعدم الوقوف عائقاً أمام الأفكار والمشروعات التي تقترحها حكومته ومن خلفها دائرته الاستخباراتية ـ الرقابية، فالأحكام القضائية الأخيرة الصادرة من محكمة النقض ببطلان عضوية بعض النواب أبرزهم أحمد مرتضى منصور عضو مجلس إدارة نادي الزمالك، ونجل رئيسه، النائب الحالي مرتضى منصور، تُمهّد الطريق لسيناريو إعادة هيكلة البرلمان من داخله في حالة خروجه، أو خروج أي تيار نيابي فيه، عن طاعة دائرة السيسي.

فمنذ اللحظة الأولى لإعلان نتيجة الانتخابات في دائرة الدقي والعجوزة، كان معروفاً من رصد أرقام الفرز في اللجان الفرعية أن أحمد مرتضى منصور قد فاز بالمقعد من دون وجه حق، على حساب النائب السابق، الكاتب السياسي عمرو الشوبكي، إلّا أن الطعن الذي تقدم به الشوبكي أمام محكمة النقض تطلّب أكثر من 7 أشهر للفصل فيه، رغم سهولة اكتشاف الخطأ المادي المتمثل في احتساب أصوات لأحمد مرتضى منصور من دون وجه حق.
لكن مراقبين سياسيين ونواباً حاليين يرون أن هذه الفترة لم تكن تتطلّب محكمة النقض للتأكد من صحة النتيجة، بقدر ما كان يتمّ التنسيق بين الدائرة الاستخباراتية – الرقابية، والتي يديرها عباس كامل مدير مكتب السيسي، وبين رئيس محكمة النقض ومجلس القضاء الأعلى، للسماح بخروج هذه الأحكام في هذا التوقيت، تحديداً قبل انتهاء الدورة البرلمانية الأولى من الفصل التشريعي، وذلك تمهيداً لحركة أوسع من الأحكام القضائية الكفيلة بـ”تجديد دماء البرلمان” في أكثر من اتجاه.

الاتجاه الأول هو التخلّص من حلفاء النظام الذين تحولوا إلى أعباء عليه، وهو اتجاه ظهر واضحاً في سياسات السيسي الداخلية خلال العام الحالي، لإزاحة عدد من أبرز حلفائه الإعلاميين والسياسيين الذين صوّرت لهم شعبيتهم أو علاقاتهم في دوائر معينة مراكز قوى داخل أو حول النظام الحاكم، فاعتبرهم السيسي خطراً عليه وعلى شعبيته.

وأبرز هؤلاء النائب المفصول توفيق عكاشة الذي قرر البرلمان فصله على نحو مفاجئ، بحجة استضافته السفير الإسرائيلي في منزله، بعد أيام معدودة من هجومه على عباس كامل في برامج تلفزيونية، وكذلك وزير العدل السابق أحمد الزند الذي استغل السيسي سقطته الكلامية عن النبي محمد، ليعزله من منصبه الوزاري، رغم شعبيته الواسعة في أوساط القضاء والإعلام.

وعلى الطريق ذاته صدرت أوامر واضحة لمرتضى منصور بالتخفيف من ظهوره المثير للجدل في وسائل الإعلام والترويج أو التلويح بعلاقته الوطيدة بالسيسي، وذلك بعد وقوفه علناً ضد فصل توفيق عكاشة من البرلمان، وجاء التخلص من نجل منصور كخطوة أولى للتنكيل به وتكبيل حركته وإحراجه أمام الرأي العام.

وتكشف مصادر برلمانية وسياسية مقربة من دائرة عباس كامل أن منصور الذي كان دائم الظهور في وسائل الإعلام حتى دخوله مجلس النواب تلقى تعليمات “صارمة” بعدم الحديث في السياسة “حتى في المجالس الخاصة”، وأن يقتصر حديثه إعلامياً عن الرياضة ونادي الزمالك فقط.

وجراء ذلك اتخذ منصور قراراً، بعد فصل توفيق عكاشة من البرلمان، بعدم حضور الجلسات “ليريح ويستريح” على حد تعبيره، في مقابلة جمعته برئيس مجلس النواب علي عبدالعال في مكتبه الشهر الماضي، إلّا أن عبدالعال، بحسب المصادر، حذر منصور من مغبة تغيبه المستمر عن الجلسات، ولوح باتخاذ إجراءات عقابية ضده بسبب مقاطعته الجلسات العامة رغم إبلاغه وتحذيره أكثر من مرة.

ووفقاً للمصادر فإن منصور، خاصة بعد صدور حكم بطلان عضوية نجله، بات يشعر بخطر أكبر من احتمال التخلص منه بسلاح اللائحة الداخلية للمجلس لاستصدار قرار محتمل بحرمانه من حضور الجلسات أو فصله. وهو ما سيعني تخلّص السيسي من مركز قوة آخر كان يعتبر أحد أسلحة النظام الإعلامية يوماً ما للإساءة لخصومه، وكان يستفيد من دعم الأجهزة الأمنية والاستخباراتية للتضخيم من قدراته في المعارك الانتخابية.
أما الاتجاه الثاني الذي تتحرك فيه دائرة السيسي لتجديد دماء البرلمان، فهو تقليص دور النواب المحسوبين على النظام والمخلصين له لكنهم يتسببون في مشاكل بسوء تصرفاتهم أو اندفاعهم بتصريحات إعلامية غير محسوبة، وذلك بغرض تجميل صورة مجلس النواب التي يراها المراقبون “مشوهة وسيئة السمعة”، خصوصاً على مستوى عبدالعال.

وتشير مصادر سياسية وقضائية إلى أن الدائرة الاستخباراتية – الرقابية سجلت عدداً من التقارير السلبية الخاصة بعبدالعال، تتحدث عن عدم تمتعه باللياقة واللباقة، واتسامه بشخصية ديكتاتورية وصدامية في الوقت نفسه، وعدم حرصه على صورته كرئيس برلمان ديمقراطي في الإعلام، ومجاهرته بتنفيذ سياسات النظام من دون كياسة، على العكس من رئيس مجلس الشعب الأسبق فتحي سرور، والذي تبدو صورته مثالية تماماً بالنسبة لدائرة السيسي.

وتوضح المصادر أن السيسي يحتفظ حتى الآن بورقة خفية قد تمكنه من الإطاحة بعبدالعال من رئاسة البرلمان في الدورة البرلمانية التالية أو بعد التالية، تتمثل في المقعد الخالي من حصته الرئاسية في المجلس بعد استقالة النائب والقاضي السابق سري صيام، والذي عينه السيسي في يناير/ كانون الثاني الماضي، وكان قاب قوسين أو أدنى من رئاسة البرلمان، إلّا أن صراعاً بين أجهزة النظام أطاح به بعد اعتراض الرقابة الإدارية عليه.
ولم يعيّن السيسي نائباً خلفاً لسري صيام، وبإمكانه تعيينه في أي لحظة خلال الفصل التشريعي الحالي، وهنا يبرز اسم الرئيس السابق لمجلس الدولة، المستشار جمال ندا، والذي استطاع تقديم نفسه من خلال قضاة المجلس المنتدبين في عدد من الأماكن الحساسة، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية كرجل قانون ودولة معاً، كما أنه كسب علاقة ودية بالسيسي، بعدما أقنعه بزيارة المجلس العام الماضي ورعاية حفل افتتاح اتحاد القضاء الإداري العربي الذي يترأسه ندا شرفياً.

وتُشدّد المصادر على أن الأجهزة الأمنية والرقابية جمعت بالفعل المعلومات المطلوبة عن ندا، وقدمتها إلى عباس كامل، تمهيداً لصدور قرار بتعيينه عضواً في البرلمان، واختبار أدائه لفترة، ثم تصعيده رئيساً له خلفاً لعبدالعال.

الدائرة الاستخباراتية – الرقابية سجلت عدداً من التقارير السلبية الخاصة بعبدالعال

كما تلفت المصادر إلى أن عبدالعال عرف بهذه التفاصيل من بعض نواب تيار الأكثرية “دعم مصر” المقربين من دائرة السيسي، وأن هذا هو السبب الحقيقي وراء السلوكيات المستغربة والمنتقدة التي اتخذها الفترة الماضية مثل تمرير بعض القوانين التي تتطلب أغلبية الثلثين من دون مراعاة الضوابط الدستورية، والتصدي لتحركات نيابية لتقديم طلبات إحاطة حول الاشتباكات الطائفية بالمنيا، بالإضافة إلى تمرير قوانين الموازنة العامة بالمخالفة لشروط الدستور بالنسبة لحصص الصحة والتعليم.

ولا يتحرك عبدالعال بدافع القلق على منصبه الرفيع فقط، بل هو قلق أيضاً من صدور حكم قضائي محتمل من محكمة النقض ببطلان انتخاب قائمة “في حب مصر” التي ينتمي إليها في محافظات الصعيد، على غرار ما حدث لأحمد مرتضى منصور، أو الأمر بإعادة الانتخابات، مما سيؤدي لعدم استقرار منصبه.

أما الاتجاه الثالث لعملية “تجديد الدماء”، فيتلخص في الدفع بعدد من النواب الجدد المعارضين لسياسات النظام الحالية ظاهرياً، أو السماح بدخولهم للبرلمان، كبدلاء للنواب الذين تبطل عضويتهم، كما تم إدخال الشوبكي بدلاً من أحمد مرتضى منصور، على أمل تحسين صورة البرلمان بما لا يؤثر على القرارات والقوانين الصادرة منه.
ويعتقد السيسي أن ممارسة هذه السياسة على نطاق محدود وقابل للسيطرة، يعطيه سبباً إضافياً للحديث المزعوم عن نظامه كدولة قانون ومؤسسات واحترام للقضاء والمعارضة، علماً بأن جميع النواب الذين سمح لهم السيسي بدخول البرلمان، حتى من خارج “دعم مصر”، شاركوا بصورة أو بأخرى في دعم نظامه السياسي وإيصاله للحكم، بما في ذلك الشوبكي الذي كان قريباً من السلطة الحاكمة حتى تولّى السيسي رئاسة الجمهورية، وتحديداً خلال رئاسته لجنة نظام الحكم بلجنة الخمسين لإعداد الدستور الحالي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.