مصادر الترادف وأثره في الأسلوب البلاغي

إنّ المفارقة الرئيسية أن العرب ذاتهم أصحاب المقولة الشهيرة: البلاغة في الإيجاز، تميل أساليبهم التعبيرية إلى الحشو والاستطراد، لا لوجودِ خاصيةٍ في اللغة العربية تقود إلى هذا الأمر، بل هي جملة أساليب كتابية وبلاغية رسخت ولم تخضع لنقد.

الأيام السورية؛ عمار عكاش

مصادر الترادف

من مصادر الترادف، في اللغة العربية، وجود دلالات مختلفة لأداةٍ ما أو مادة ما في استعمالاتها المختلفة وحالاتها المتنوعة، لكنها مع الزمن أصبحت مرادفة في معناها للمادة أو الأداة ذاتها. ولعل أشهر الأمثلة هنا هو مثال الكأس والقدح – الذي يعشق مدرسو اللغة العربية استعراض عضلاتهم اللغوية بشرحه للطلاب- فما نشرب به سائلاً يسمى حين يكون فارغاً بالقدح، ومتى امتلأ سميّ كأساً علماً أن كلمة كأس قادمة من كوس الآرامية والعبرية.

والمصدر الأخير للترادف هو عملية إبدال حرفٍ بحرف وعملية القلب اللغوي، مثال ذلك أن نقول امتقع وجهه أو انتقع، وصاعقة وصاقعة، وهذا القلب موجود في الكثير من اللهجات المحلية في سوريا، وأحياناً يتم التعامل مع كلمات غير عربية بهذه الطريقة في العامية بما يتوافق مع القاعد الصوتية للهجة المحلية مثل استبدال الحلبيين كلمة بيسكوي الفرنسية بكلمة مستويكة.

ولعب الشعراء العرب أيضاً دوراً في ظهور المترادفات، فهم كانوا يستعيضون عن كلمة يريدون استخدامها بكلمة مقاربة لها في المعنى تجنباً لكسر الوزن، فظن الكثيرون لاحقاً بأنها مرادفة في المعنى للمفردة الأصلية.

اختلاف الفصحى الحديثة

إلى جانب هذه المصادر التي اتفق عليها الكثير من اللغويّين العرب، أضيف أن الفصحى الحديثة تختلف نسبياً بين دولةٍ عربية وأخرى فثمة كلمات فصيحة قديمة بقيت مستخدمة في دول وسقطت من التداول في دول أخرى، من أمثلة ذلك أن التونسيين يقولون: “الخبرات الفارطة”، والفارطة هنا تعني الماضية أو السابقة، وهي كلمة عربية فصيحة لا نستخدمها في سوريا، وإن استشرت المعاجم العربية لوجدت أنها كانت جزءً من تعبيرٍ كان شائعاً في عصورٍ سابقة وهو: الأيام الفارطة ويعني الأيام الماضية.

لعب الشعراء العرب أيضاً دوراً في ظهور المترادفات، فهم كانوا يستعيضون عن كلمة يريدون استخدامها بكلمة مقاربة لها في المعنى تجنباً لكسر الوزن، فظن الكثيرون لاحقاً بأنها مرادفة في المعنى للمفردة الأصلية.

المصطلحات المترجمة

كذلك يقود اختلاف مصادر تعريب المصطلحات المترجمة إلى اختلاف في المفردات الحديثة، ففي سوريا نستخدم مصطلح رفع الوعي وهو مترجم عن الانكليزية To raise awareness فيما يستخدم التونسيون مصطلح التحسيس لأنهم قاموا بترجمته عن الفرنسيّة.

الترادف سبباً في الاستطرادَ والحشو المزعج

وأياً كان مصدر الترادف فإن كان ثمة من يعتبر أن الترادف دلالة غنى في اللغة العربية، فإنني لا أتفق معه، فلا معنى من وجهة نظري لحشد كلماتٍ معظمها سقط من التداول وبقيت مثل مومياءاتٍ محنطة في درفات معاجم مكتوبة منذ قرون عديدة، وما تزال تعتبر مراجع حيّة لا لشيء سوى أن اللغة العربية استولى عليها مجموعة من اللغويين الأصوليين المتعنّتين، ناهيك عن أن هذا الترادف يُستخدم بأقبح الوسائل في النثر والكتابة العربية، حيث نجد الاستطرادَ والحشو المزعج يكاد يصبح أسلوباً متعارفاً عليه، تختلف درجته بين كاتب وآخر ونكاد جميعنا نمارسه، ربما كان أكثر صوره شيوعاً هو إيراد كلمات متقاربة أو مترادفة في المعنى، مثال ذلك:

أصابه الحزن والغم، وتملّك قلبه الأسى.
يكابد لوعة النأّي والبعد، ويعتصر قلبه ويغمر فؤاده الشوق والحنين.
رجل كريم الأصل، طيب المنشأ، ذو حسبٍ ونسبٍ.
أسمع جلبةً وضوضاءً.
رجل معطاءٌ عُرف عنه الجود والكرم والسخاء.

وأحد أسباب ذلك يعود إلى وجود فكرة راسخة في اللاوعي، وهي أنّ الاستفاضة تثبّت المعنى في ذهن القارئ وتؤكده، فإن لم يكن ذلك بالمترادفات يكون بالاستفاضة في الشرح، وألاحظ هنا أن هذا الأسلوب في الحديث في اللهجات العامية يشيع في الفئاتِ متدنية التعليم.

وأورد هنا طرفةً عن أسلوب شرح بعض الناس في مدينتي حلب لطريقة الوصول إلى عنوانٍ لشخص ما: ” مو أول لفّة عاليمين ، مو التانية ، التالتة فوت فيها”، بدل القول: ” ثالث لفة عاليمين” باختصار، إن أسلوب الفصحى المستفيضة المليئة بالحشو، لا يختلف أبداً في روحه عن هذا الأسلوب، إلا في أنّ الفصيح يحظى بعظمته لمجرّد أنه فصيح، فيما العامي يُنظر إليه بأنه أقل مستوىً، وإن كنت واحداً ممن يزعمون أن هذه العاميّات لو أنها بنت منظوماتها اللغوية فهي بدورها لغات لها قواعدها، ولها أساليبها التعبيرية و روحها، وأهم ما فيها أنها حية ومُعاشة أكثر من الفصحى.

ضرورة فتح نقاش عميق وحقيقي، قد يقود ربما إلى تفجير ممكناتٍ في اللغة العربية لم تظهر، أو قد يقود إلى تقسيم اللغة العربية إلى مجموعة لغات!

وقد جاء على ذكر ظاهرة الحشو والاستطراد هذه الأستاذ خليل السكاكيني في كتابه مطالعات في الأدب واللغة حيث يقول: “مِمَّا أولع به أصحاب المذهب القديم إلى يومنا هذا تكرار الكلام في غير مواطن التكرار، والإسراف في استعمال المترادفات على غير حاجة إليها ولا فائدة منها، فهم لا يأتون بكلمة إلا أتبعوها بمرادفاتها، فإذا قالوا: تمادى الرجل في ضلاله قالوا: ولج في غوايته وعمه في طغيانه ومضى على غلوائه، وإذا قالوا: أحزنني هذا الأمر قالوا: وشجاني وأمضني وأرمضني وأقلقني وأقضَّ مضجعي، وإذا قالوا: سَرَّني أمرُ كذا قالوا: وأفرحني وحبرني وأبهجني وأبلجني وأثلج صدري”.

إنّ المفارقة الرئيسية هنا هي أن العرب ذاتهم أصحاب المقولة الشهيرة: البلاغة في الإيجاز، لكن أساليبهم التعبيرية تميل إلى الحشو والاستطراد، لا لوجودِ خاصيةٍ في اللغة العربية تقود إلى هذا الأمر، بل هي جملة أساليب كتابية وبلاغية رسخت ولم تخضع لنقدٍ، وبقناعتي أن سبب هذا الأمر هو عدم الرغبة بفتح نقاش عميق وحقيقي قد يقود ربما إلى تفجير ممكناتٍ في اللغة العربية لم تظهر، أو قد يقود إلى تقسيم اللغة العربية إلى مجموعة لغات!


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري يقيم في إسطنبول.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.