مشكلة لم تناقش.. عن النقاش الذي دار عن الإنجاب في مخيمات اللجوء السوري

أليس من الواضح أننا أمام مشكلة، وهي الفقر والجوع في المخيمات بل وخارج المخيمات في بلدان اللجوء غير الأوربية؟. ثم أليس ردكم هو نوع من المباراة الكلامية، لماذا طالبتم بالثورة مثلاً؟ ألا يمكن أن يتّهمكم المؤيدون بأنكم تعتقدون بأنكم أوصياء على الناس؟

الأيام السورية؛ عمار عكاش

نتيجة لعوامل كثيرة يأتي أي نقاش يخص السوريين ومشاكل اللاجئين مشحوناً بالعواطف، ويتّخذ مسارات كثيراً ما تبعدنا عن المشكلة الأصلية، ويعود ذلك لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بعدم اعتيادنا على الحوار الهادئ المفتوح في عائلاتنا ومدارسنا ومنظوماتنا السياسية والحزبية، ومنها ما يرتبط بالتراجيديا التي عاشها السوريين في العقد الأخير وما عانوه من صدمات وآلام تجعل أيّ حوار من الصعب ضبطه وتهدئة العواطف فيه .

مباراة كلامية حول الإنجاب في المخيمات

مؤخراً أثار تعليق شابة اسمها رشا على موضوع الإنجاب في المخيمات عاصفة من التعليقات الحادة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويبدو أن المشكلة انحصرت في طريقة الرد على لهجة رشا، وإن كنت أعتقد أنا نفسي، بأن لهجتها غير مناسبة، فليس من الممكن أن نصف كلّ أبٍ وأمّ يتصرفان بطريقة نراها غير منطقية بالإجرام، وهي بالمناسبة عبارة جاهزة؛ شاعت أيضاً في نقاشاتنا، فنفس الكلام كان يقوله البعض بحق الأمهات والآباء الذين يخاطرون بأطفالهم حين يحاولون عبور المتوسط إلى أوربا بحثاً عن حياة أفضل.

أميل للقول بإن نوايا رشا لم تكن سيئة، ولكن من غير المقبول إطلاق حوار بهذه الطريقة، ولكن أسأل من ردوا عليها وبحثوا عن أسلوب لإسكاتها من مثل القول ”لست وصية على الناس، وهذه حرية شخصية“.

الحديث عن الحرية الشخصية قد يناسب الناس المؤمنين بعدم مساعدة الفقراء والمحتاجين ولا أعتقد أن من رد هم من هؤلاء، إنما كان ردّهم لعبة كلامية تنهل من عدة قاموس مصطلحات الليبرالية، بمعنى تحاول الرد على من تعتبره مثقفة تدعي الحداثة بسلاح من عدّتها.

أليس من الواضح أننا أمام مشكلة أهم من رشا وممّن ردّوا عليها وهي الفقر والجوع في المخيمات بل وخارج المخيمات في بلدان اللجوء غير الأوربية؟. ثم أليس ردكم هو نوع من المباراة الكلامية، لماذا طالبتم بالثورة مثلاً؟ ألا يمكن أن يتّهمكم المؤيدون بأنكم تعتقدون بأنكم أوصياء على الناس؟ . أيّ طرح ورأي يخصّ أيّ تغيير يمكن أن نُسكِت صاحبه بقولنا لست وصياً على الناس. ثم إن الحديث عن الحرية الشخصية قد يناسب الناس المؤمنين بعدم مساعدة الفقراء والمحتاجين ولا أعتقد أن من ردوا على رشا بهذا الكلام هم من هؤلاء، إنما كان ردّهم لعبة كلامية تنهل من عدة قاموس مصطلحات الليبرالية، بمعنى تحاول الرد على من تعتبره مثقفة تدعي الحداثة بسلاح من عدّتها.

السوريون ينجبون بأعداد كبيرة منذ الخمسينيات

لنرجع إلى موضوع الإنجاب، ينجب السوريون بأعداد كبيرة منذ الخمسينيات، حتى إن النظام السوري وحكومات سبقته شجعوا على الإنجاب ضمن سياسة حمقاء تقول بضرورة التوازن مع إسرائيل، وهذا جهل مؤسف يبدأ من أعلى سلم الهرم وبين نخب تقود المجتمع! ودون شك ثمة عامل ثقافي ديني، وعوامل اقتصادية واجتماعية، فالفقر وغياب الرعاية الاجتماعية من قبل الدولة تبقي قيم العزوة والحماية في الأطفال سائدة في المجتمع.

تراجع النظام السوري بعد عام ٢٠٠٠ عن سياسته الحمقاء بعد الانفجار السكاني، وبدأ يشجع على الإقلال من الإنجاب خاصة بعد أن وجد أنه من الصعب عليه الاستمرار بتقديم أسعار مدعومة لبعض المواد الغذائية والمحروقات، والاستمرار في توظيف أعداد كبيرة من الناس في قطاع الدولة، حفاظاً على عقد اجتماعي فريد من نوعه يقوم على القمع الوحشي وتبني إجراءات ذات صبغة اشتراكية.

مقارنة

تأملوا المقارنة التالية بين سوريا وبلد آخر من المنطقة العربية يشكل المسلمون ٩٨ بالمئة من سكانه وهو تونس:

ارتفع عدد سكان سوريا من 4.5 مليون نسمة عام 1960 إلى 23.5 مليون نسمة (حسب تقديرات سنة 2010).

ارتفع عدد سكان تونس كان 3.783,2 مليون عام 1956 وأصبح 10,982,8 مليون عام 2014.

هذا الفارق تلعب فيه دوراً دون شك العوامل الثقافية، واختلاف توجهات النخب في البلدين، فبورقيبة كان نموذجاً لدكتاتور وطني، توجه نحو العلمنة وبناء الهوية الوطنية التونسية، ويمكن أن يكون قد أثّر الوضع الاقتصادي في الإقلال من الإنجاب في تونس، لكن السوريين لم يتغيروا في هذا الصدد رغم كل ما تعرضوا له من تدهور في الظروف الاقتصادية.

رفع سوية الوعي

ما المانع إن تعاونا جميعاً في رفع سوية الوعي وبحث عوامل كثرة الإنجاب من خلال دراسات ميدانية وإيجاد حلول معقولة ضمن الظروف الموجودة، لا أعتقد أن من قالوا بأن الموضوع حرية شخصية لا يتألّمون لرؤية كلّ هؤلاء الأطفال جائعين، وهم أنفسهم لا يكفّون عن شتم العالم أجمع والإشارة إلى انعدام العدالة فيه، وأنانية المجتمع الغربي الخ.

لماذا علينا أن نركن إلى أن السّويّ إنسان مظلوم مسحوق مسلوب الإرادة، وأن كلّ ما يفعله ناجم عن ظلم تعرض له، وظروف ليست بيده، ونبسِّط كل فعل يقوم به في سببين: الظلم الذي عاش فيه والنظام، ألا يوجد أي دور ولو صغير للوعي هنا؟

لا شكّ أن هناك ظروفاً ومسببات لكثرة الإنجاب يجب أن تتغير، لكن لماذا علينا أن نركن إلى أن السّويّ إنسان مظلوم مسحوق مسلوب الإرادة، وأن كلّ ما يفعله ناجم عن ظلم تعرض له، وظروف ليست بيده، ونبسِّط كل فعل يقوم به في سببين: الظلم الذي عاش فيه والنظام، ألا يوجد أي دور ولو صغير للوعي هنا؟

نحن لا نطلب المستحيل، نحن نطلب إنجاب عدد أقل من الأطفال، في حيّي في اسطنبول على سبيل المثال أنجبت جميع العائلات السورية التي ترسل أبناءها للشحاذة وما يشبهها من أعمال ما يقارب ٣ أطفال خلال وجودها في تركيا دون تخطيط. هل يجب أن أقول للأب هذه حريتك الشخصية حين يرسل ابنته أو ابنه اللذين لا ذنب لهما في أن تنتهك حقوقهم كأطفال سوى أن والديهما أنجباهما، لماذا نتحدث إذاً عن حقوق الأطفال؟.

مؤسف هذا النقاش، الذي تحول إلى مباراة كلامية، ومصطلحات تستخدم حسب الضرورة وتتبدل حسب تكتيكات إخراس المتحدث. إنه أمر معتاد في نقاشاتنا، في النهاية هناك ضرورة للإقلال من الإنجاب في ظروفنا الحالية، وعدد كبير من الأطفال السوريين الذين يولدون في هذه الظروف الصعبة ينتظرهم مستقبل مجهول، يمكن أن نشارك قصص نجاح بعض الأطفال السوريين في مدارسهم وسواها لصناعة أمل ضروري لجميع الناس، لكن ماذا لو شاركنا قصص الأطفال الذين يعانون أيضاً، اعتقد أن النسبة لا تتوازى أبداً.


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية و الجنسانية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.