مشكلة دون حل.. ازدواجية اللغة العربية بين اللغة الفصحى واللغات العامية

عدد كبير من الشباب بدأ يتذمر علناً من تعقيدات القواعد العربية وعلاماتها الأعرابية. ما هو الحل؟، الحل لا يمكن أن يأتي دون الإقرار بالمشكلة الأساسية، عدا عن ذلك ستستمر هذه المشكلة بالتوسع دون توقف وسيتسمر الندب على تراجع الفصحى.

الأيام السورية؛ عمار عكاش

مرّ اليوم العالمي للغة العربية، ورأيت مرة أخرى عدداً كبيراً من المقالات التي تحتفي باللغة العربية، وتشير الكثير منها إلى مواطن الجمال فيها التي يجب إقناع الأجيال الجديدة بها كي تستمرّ اللغة العربية، وتربط أغلبها اللغة العربية بفكرة الهويّة المهدّدة (وهو ربط يشير أحياناً إلى وجود مؤامرة على اللغة العربية)، ويكاد لا يخلو أي مقال يريد الحديث عمّا تواجهه اللغة العربية من مشكلات من مقدمة اجتراريّة تعظّم اللغة العربية، ولا تخلو هذه المقدمات من أساطير كثيرة متناقلة دون تدقيق، مثل الحكم القائل بإن اللغة العربية هي أكثر لغات العالم مرونة وقدرة على التجديد ولا أعرف حقيقة من أي أتى أصحاب هذا الحكم بهذه المقاربة التبسيطيّة، لكن اللازمة الأطرف هي القول إن اللغة العربية هي الأغنى عالمياً، هذه الفكرة تعتمد على أن اللغة العربية الفصحى تحتوي آلافاً من الكلمات المنقرضة التي تكاد لا تستخدم في الكتب الحديثة، الأمر يشبه أن يأتي دارس اللغة التركية ويضم كلماتٍ تركية كانت مستخدمة قبل ٤ قرون إلى القاموس التركي الحديث، أو أن يضم متحدث اللغة الانكليزية مفرداتٍ منقرضة إلى الانكليزية الحديثة كي يتباهى بغنى مفردات لغته، وأعتقد أنه في حالة الفصحى العربية يكون هذا الأمر أسهل كونها لغة غير محكية أساساً مما يصعب الحكم بأن كلمة ما قد انقرضت.

وغالباً ما تنطلق مقاربات الحفاظ على اللغة العربية الفصحى من عقلية تقول بأن تراجع استخدام الفصحى سيشكل كارثة، ويشطح بعضهم بأنها الحصن الأخير للصمود، وحقيقة لا أريد أن أنفي الصلة بين اللغة والهوية، خاصة أن اللغة العربية هي لغة التدوين، لكنني أعتقد أن الحديث عن مشكلات اللغة العربية يتركز في منحيين: منحى أيديولوجي ينصرف إلى هاجس الحفاظ على الهوية والتاريخ، ومنحى يتحدث عن مشكلات قائمة في أساليب تدريس اللغة العربية وطغيان تعلم اللغات الأجنبية.

إن وعي الإنسان العربي مصوغ بدرجة كبيرة بالعامية، هو يرى منامته بالعامية، ويحب ويعشق بالعامية، ويشتم إن غضب بالعامية، لكنه يدون نفسه بالفصحى، بطريقة ما تشبه اللغة العربية الفصحى اللغة اللاتينية المقدسة.

لكن هذا الحديث يهرب من المشكلة الأساسية وهي الفارق الكبير بين العامية والفصحى، فأغلبية المشاركين في نقاش مشكلات اللغة العربية يتجاهلون المشكلة ويسخّفونها. ومن وجهة نظري الشخصية إن الفارق بين العامية والفصحى هو لبّ المشكلة، ولا يمكن لي أن أستفيض هنا في مقارنة الفصحى بالعامية في جميع الدول العربية، لكن يمكن أن أقتصر في مقاربتي على اللهجة السورية وهي عملياً تقع في ذات الخانة مع اللهجة اللبنانية، حيث أن الأمر لا يحتاج إلى ذكاء كبير كي ندرك أن الاختلاف بين الفصحى والعامية السورية من الناحية الفونولوجية، المورفولوجية يرقى إلى مستوى لغتين توجد بينهما الكثير من المفردات المشتركة وتقاطعات قواعدية، مع ملاحظة أن الفوارق القواعدية كبيرة وخاصة في علامات الإعراب.

إن العامية السورية في تكوينها الأساسي القواعدي واللغوي مزيج من السريانية والعربية، مع فارق تتميز به العامية هو أنها تتطور بشكل عفوي، بينما بقيت البنية الأساسية للقواعد العربية ذاتها منذ عصر سيبويه واعتمد القرآن مرجعاً أساسياً من مراجع القواعد، وتتفوق العاميّة على الفصحى بأنها لغة محكية حيّة تمارس بشكل يومي، فتطورت مجازاتها بدرجة كبيرة، أما الفصحى فهي لغة كتب وإعلام، ويكاد معظم ما يضاف إليها يأتي عن طريق الترجمة مثال ذلك تعابير: سلط الضوء على المشكلة، مهّد الطريق لـ ، رَفْع الوعي كما نقول في بلاد الشام وتقابلها عبارة التحسيس في تونس المأخوذة عن الفرنسية، بالمقابل كانت اللغة الفصحى دوماً محمية من تسرب العامية وعباراتها لأنها ستلوث اللغة العربية، وهي مفارقة طريفة، ولأن اللغة العامية كانت دوماً مهملة ولم يبذل جهد لفهم قواعدها، وجدنا مفكراً من وزن طه حسين يقول بأنها لغة تسرّب إليها الفساد، وهو يقول هذا الكلام في معرض مقارنة العامية بالفصحى، وهي مقارنة غير عادلة لأن العامية كما ذكرت لم يبذل أي جهد لدراسة قواعدها ولم تكن يوماً لغة مقراً بها رسمياً.

إن وعي الإنسان العربي مصوغ بدرجة كبيرة بالعامية، هو يرى منامته بالعامية، ويحب ويعشق بالعامية، ويشتم إن غضب بالعامية، لكنه يدون نفسه بالفصحى، بطريقة ما تشبه اللغة العربية الفصحى اللغة اللاتينية المقدسة، مع فارق أنها عُمّمت في العصر الحديث على وسائل الإعلام في جميع الدول العربية، ونلاحظ أنه مع تقدم الزمن تحوّلت الكثير من محتويات الإعلام العربي إلى العامية لأنها أقرب إلى القلب وتشد عدداً أكبر من المشاهدين، حتى أن أشهر روائي عربي وهو نجيب محفوظ زاوج بين العامية والفصحى في رواياته.

غالباً ما يتم نفي مشكلة ازدواجية اللغة العربية من خلال حكم تبسيطي يقول إن كل لغات العالم فيها فصحى وعامية، وهذا الكلام يقوم على تعميم غير دقيق، فكل لغات العالم فيها أسلوب رسمي في المخاطبة والكلام، وأسلوب عامي، أو اعتماداً للهجة منطقة محددة لغة رسمية، ولكن غالباً لا يوجد فيها شيء يرقى إلى مستوى لغتين كما هو الحال مع اللغة العربية، وإن وجد فالأمر لا يرقى إلى مستوى وجود لغتين مختلفات في ميكانيزمات تطورها، إحداهما موجودة في الكتب فقط والأخرى في الحياة اليومية.

إن الإشارة إلى جماليات اللغة العربية وقدراتها وأهميتها كلغة القرآن، والاستغراق في الحديث عن الكوارث التي سيجلبها تراجع اللغة الفصحى لن يفيد كثيراً في حل المشكلة الأساسية، وهي مشكلة التفاوت بين العامية والفصحى.

ويمكن أن أسوق مثالاً من اللغة التركية، التي شهدت إصلاحاً تحديثياً كان دافعه أيديولوجية سياسية قومية وعلمانية، حيث تم اعتماد لهجة اسطنبول لغة رسمية، وهذا يعني عملياً اختلافاً في لفظ بعض الحروف، كالكاف الاسطنبولية التي تلفظ قافاً في الجنوب، واختلافاً في لفظ بعض الحروف الصوتية بصورة أساسية، لكن الأمر لا يعني وجود بنية قواعدية مختلفة. وحاول الإصلاح الأتاتوركي اشتقاق كلمات جديدة من كلمات تركية قديمة والاستعارة من الفرنسية، وما حدث أن بعض الكلمات العربية والفارسية انقرض، وفي بعض الحالات أصبح هناك مترادفات متقاربة بالمعنى لكنها غير متماثلة بالضرورة، لكن لا يوجد فارق بين الجمع مثلاً في اللغة الرسمية وبين العامية كما هو الحال في العامية السورية والفصحى.

وكذلك الأمر بالنسبة للغة الانكليزية، فلا أعتقد أن أماً بريطانية ستضطر لتعليم ابنها قواعد الجمع مراراً وتكراراً كما يحدث مثلاً لدى تعلّم طفل سوري للفصحى، فالطفل يتحدث بشكل عفوي العامية ويقوم بالجمع واستخدام الماضي والمضارع بعفوية لدى حديثه بها، لكنه يبذل جهداً كبيراً في تعلم قواعد اللغة التي لا يمارسها في الحياة اليومية.

إن الإشارة إلى جماليات اللغة العربية وقدراتها وأهميتها كلغة القرآن، والاستغراق في الحديث عن الكوارث التي سيجلبها تراجع اللغة الفصحى لن يفيد كثيراً في حل المشكلة الأساسية، وهي مشكلة التفاوت بين العامية والفصحى، ونلاحظ كيف أن عدداً كبيراً من الشباب بدأ يتذمر علناً من تعقيدات القواعد العربية وعلاماتها الأعرابية. ما هو الحل؟، الحل لا يمكن أن يأتي دون الإقرار بالمشكلة الأساسية، عدا عن ذلك ستستمر هذه المشكلة بالتوسع دون توقف وسيتسمر الندب على تراجع الفصحى.


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.