مشكلة الفقر والازدهار.. قراءة في كتاب لماذا تفشل الأمم؟

يحمل الكتاب السؤال في عنوانه: لماذا تفشل الأمم؟ ويوضح في عنوانه الفرعيّ جوهر المسألة وهي: أصول السلطة والازدهار والفقر.

فاديا حج فاضل

أمضى مؤلّفا الكتاب خمسة عشر عاماً من البحث لإنجازه من خلال نماذج تطبيقيّة توضح الطريقة التي يوصل فيها الفشل المؤسّساتيّ والخضوع لتعليمات مؤسّسات التمويل الدوليّة إلى الانهيار الأكيد في الكيانات التي تسمّى دولاً، من خلال مسألة هامّة هي تغوّل الرأسماليّة العالميّة وفشل الدولة.

ويتناول الكتاب المسائل المتعلّقة بالفقر ومعيقات التنمية والأدوار والسياسات التي تقوم بها الأنظمة الحاكمة في إضعاف الدولة والمجتمع، ويقترح من ناحية أخرى طرقاً للوصل إلى الرقيّ والتقدّم، مبرزاً دور الإصلاحات المؤسّساتيّة في الوصول إلى إنجاز تلك الأهداف.

 

في دلالة العنوان

يحمل الكتاب السؤال في عنوانه: لماذا تفشل الأمم؟ ويوضح في عنوانه الفرعيّ جوهر المسألة وهي: أصول السلطة والازدهار والفقر. يقول أحد المؤلِّفَين “جيمس إي روبنسون” عن فكرة الكتاب: “إنّ المجتمعات الناجحة اقتصاديّاً تتدبّر أمر تطوير حزمة أو مجموعة من المؤسّسات التي ترعى وتوجّه المواهب والكفاءات والطاقات لدى مواطنيها”.

 

نماذج مختلفة

من المقدمة تبدأ أهمّيّة الكتاب من الناحية التطبيقيّة إذ يستعرض مشهد ميدان التحرير إبّان الثورة المصريّة في 2011، ويركّز على العوامل الاقتصاديّة التي أدّت إلى خروج المصريين في ثورتهم، ورأى أنّهم مسلمين ومسيحيّين ومن فئات المجتمع المصريّ كافّة ثاروا للأسباب الاقتصاديّة التي تتمثّل بمسألة ارتفاع معدّلات الفقر، بالإضافة إلى الفساد وعدم العدالة في توزّع الثروات، ممّا أدّى إلى أن انعدام عوائد التنمية.

يسوق المؤلِّفان من خلال كتابهما ذو الخمسة عشر فصلاً عدّة نماذج منها الدولة العثمانيّة، والاتّحاد السوفيتّي، والكوريّتين، ومصر محمّد علي باشا الكبير، وإنجلترا والصين و..، أي من مختلف الفترات الزمنيّة والأماكن الجغرافيّة مع أجوائها الثقافيّة والدينيّة، لكي يستنتجا القوانين التي يمكن أن تقود الدولة إلى النجاح أو الفشل في عمليّات التنمية ومحاربة الفقر.

 

مشكلة الفقر والازدهار

يورد الكتاب مقارنة عندما يتناول مشكلة الفقر والازدهار من خلال النموذج الكوريّ، فيقول إنّه “على الرغم من أنّه قبل الحرب الكوريّة، وتقسيم شبه الجزيرة الكوريّة كانت كلّ المراكز الصناعيّة في الشمال، فإنّ كوريا الشماليّة تعاني الآن مجاعة واسعة النطاق وسوء التغذية مع تدهور كبير في مستوى المعيشة مقابل ازدهار اقتصاديّ ومعيشيّ في كوريا الجنوبيّة” ويعزو ذلك إلى تركيبة الاقتصاد الكوريّ الشماليّ المركزيّ التخطيط، فيما الانفتاح الاقتصاديّ في كوريا الجنوبيّة، واستمراراً لتأكيده على دور المؤسّسات المنفتحة أو الشموليّة في توجيه الواقع المجتمعيّ والاقتصاديّ نحو الفقر أو الازدهار، فإنّه يتناول تجارب حالة من الدول الصناعيّة المتقدّمة في مجال بنية الضمان الاجتماعيّ والرفاه الاقتصاديّ والمجتمعيّ مثل بريطانيا، حيث يرصد الكتاب تجربة إنجلترا منذ القرن الـسابع عشر وحتّى الآن في مجال التطوّر المؤسّسيّ، ويعزو كلّ ما حققته بريطانيا اليوم إلى ذلك.

ويستنتج كتاب “لماذا تفشل الأمم” أنّ المؤسّسات السياسيّة هي أساس الهيكل الاقتصاديّ الفاشل أو الناجح، وليس المؤسّسات الإداريّة.

ولا ينفي من جهة أخرى ضرورة إيجاد “دولة مركزيّة فعّالة” تزوّيد أفراد المجتمع بحاجاتهم الرئيسيّة، وتحافظ على القوانين والأمن العام، وتحقّق الضمان الاجتماعيّ للجميع. ويذكّر بالدكتاتور “سياد برّي” في الصومال كبلد فاشل إلى انهياره خلال عشرين عاماً مقارنة بدولة جنوب أفريقيا كتجربة استيعابيّة على جميع المستويات..

 

سبب الفقر

يوضح الكتاب سبب الفقر في مختلف الكيانات التي تولّدت من بقايا الامبراطوريّة العثمانيّة برأيه، ويستثني منها الدول النفطيّة، بقوله: إنّ ذلك يعود إلى النموذج التنمويّ الذي تبنّته الدولة العثمانيّة، إذ أنّها لم تتّبع التغيير داخل المجتمعات التي كانت تحكمها، فقد أحسّ الحاكم العثمانيّ – خصوصاً في المائتي عام الأخيرة من عمر الامبراطوريّة – بالخوف من التغيير.

ويقارن ما بين الدولة العثمانيّة التي قامت بمعاقبة رعاياها من خلال الفقر والاستغلال، بينما لم تكن المعارضة داخل الإمبراطوريّة على نفس القدر من القوّة التي تملكها معارضة إنجلترا إبّان القرن الـسابع عشر، ويستنتج أنّ ذلك كان ما المانع من تكرار النموذج الإنجليزيّ في الامبراطوريّة العثمانيّة.

وتتكرّر تلك الصورة في أميركا الوسطى وأميركا اللاتينيّة، حين يرى المؤلّفان أنّ سياسات المستعمرين الإسبان والفرنسيّين والبرتغاليّين في عدم اعتمادهم النموذج الصحيح في مجالات الحكم والتنمية، وتوارث تلك الدول المشكلات الحاليّة التي ما زالت تعاني منذ مرحلة ما بعد الاستقلال وحتّى اليوم.

 

أولويّة الديمقراطيّة

في جلّ فصول الكتاب يؤكّد على أولويّة الديمقراطيّة، وما تمنحه من فرض الحرّيّات عموماً والفرديّة منها خصوصاً، وكذلك المبادرات الذاتيّة، وأهمّية مبدأ سيادة القانون في إيجاد النماذج الاقتصاديّة التي توصل إلى التقدّم وتقضي على الفقر، رافضاً التجربة الاشتراكيّة في الاتّحاد السوفيتّي وكوريا الشماليّة والصومال، مقارنة بتجربة الاقتصاد الحرّ في كوريا الجنوبية وبريطانيا وجنوب أفريقيا.

في مثال إنجلترا التي ظلّت متخلّفة حتّى القرن الـسابع عشر، إذ أدى اتّحاد فئات كبيرة من المجتمع في سبيل تحويل الحكم الملكيّ المطلق، إلى خلق المؤسّسات الديمقراطيّة التي سارت بالجميع إلى النجاح التنمويّ والاقتصاديّ المنشود.

 

قانون التناسق والترابط

يستنتج الكتاب ما أسماه “قانون التناسق والترابط” أي أنّه يجب أن تكون هناك رؤية شاملة للتطوير المجتمعيّ والسياسيّ والمؤسّسي كقانون وضرورة، إذا ما حصل في المجتمع ثورة مجتمعيّة لتقييد الأنظمة المستبدّة الحاكمة أو للإطاحة بها.

ثمّ يقارن الكتاب مرّة أخرى بين النموذج الإنجليزيّ والنموذج الروسيّ ولكن إبّان الثورة البلشفية، ويرى أنّ الحالة في إنجلترا تختلف عن الثورة البلشفيّة في هدف إزالة القيصر في روسيا، مع خطّة شاملة لتطوير مؤسّسات اقتصاديّة وسياسيّة، تشمل ألوان الطيف الموجود في المجتمع كافّة.

غلاف الكتاب (فيسبوك)
مصدر كتاب “لماذا تفشل الأمم” تأليف: دارن أسيموجلو – جيمس إي روبنسون. ترجمة بدران حامد، نشر الدار الدوليّة للاستثمارات الثقافيّة – طبعة أولى 2015
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.