مشروع الشريحة.. فاوستية العلم والسيطرة المطلقة على البشر

الأيام السورية؛ علي الأعرج

عندما اخترع الكيميائي السويدي ألفريد نوبل الديناميت كان هدفه مساعدة عمال المناجم، لكن ما قدّمه نوبل للبشرية ومؤسساتها كان وابلاً للسيطرة على الوجود الإنساني لا يمكن غفرانه حتى اليوم؛ وبطريقة ما، هذا طريق الحياة نفسه، تطور، محاولة السيطرة على التطور، تطور جديد، وهكذا دواليك إلى لحظة النهاية التي سيصنعها الإنسان بنفسه.

منذ أيام أعلن المخترع والمستثمر الكندي إيلون ماسك عن نجاح مشروعه في زرع شريحة كومبيوتر بحجم قطعة معدنية في رأس أنثى خنزير تدعى “جيرترود”، وهو عبارة عن مجس صغير يحتوي على 3000 قطب كهربائي يمكنها مراقبة نشاط 1000 خلية عصبية في الدماغ. وأوضح ماسك مع الشركة أن مثل هذه المجسات تساعد الإنسان في الخلاص من أمراض الشيخوخة مثل الخرف ومرض الشلل الرعاش وإصابات الحبل الشوكي من خلال مراقبة عمل الدماغ؛ وهو يطلب بالسماح من الدول والحكومات ببدء مشروع زراعة هذه المجسات في رؤوس البشر.

الغاية المطروحة من قِبل ماسك، نبيلة فعلاً لإنقاذ الإنسان من الشيخوخة وقد يتم تطوير المشروع لإيقاف الموت نهائياً في مرحلة قادمة، لكنها بطريقة أخرى سيطرة كلية على التفكير البشري والأحلام والمشاريع والطموحات والإدراك والرفض والاختيار الحر.

هناك دائماً شخص أو مؤسسة سيكون قادراً على معرفة ما تحلم به وما تفكر به وما تتمناه سراً وما تفعله في أي مكان. من الصحيح أننا في عالم اليوم نسبياً مكشوفون بالنسبة لبعض المؤسسات التي تعلم تحركاتنا وطرق تفكيرنا وأحلامنا، لكنها تعلم بإرادتنا وبنمط علاقتنا مع التكنولوجيا، بمعنى أن يخرج أحد إلى مقهى ويترك هاتفه في المنزل فلا أحد يعلم ما يقوم به أصلاً أو ما يفكر به أو ما يدور من نقاش، وحتى وإن علمت الشركات بما يفكر به لكنها غير قادرة على إقناعه إلا بطريقة الصراع الحر، إنها صورة مصغرة عن الليبرالية التي تكون فيها إرادة اختيار الأشياء حاضرة، لكن مع مشروع إيلون ماسك، كل ذلك سيصبح من الماضي.

مشروع الشريحة يعني أن هناك شخصا يجعلك مقتنعاً بما يريده هو؛ قد يبدو الكلام أقرب للمؤامرة لكن لا يمكن فهمه إلا بهذه الطريقة. هناك من يستطيع الدخول إلى دماغك ومراقبة كل شيء ويتحكم بحزنك وفرحك واكتئابك وغضبك، إنه يستطيع أن يمحو ذكرياتك السيئة وزراعة أخرى بديلة عنها بكل سهولة وسرعة، فبكل تأكيد لن يترك لك حرية الإرادة والتجربة والتعلّم لتكون ضده يوماً ما؛ مؤسسة تتحكم بوعيك وإدراكك للأشياء وللمفاهيم ولعمل السياسة والدين والثقافة والرضوخ وأفكار الاحترام والنضال والتجمع، ومئات من الأفكار الأخرى. ستتلقاها طائعاً دون قدرة على رفضها، تماماً مثلما جرى مع نوبل عندما أراد مساعدة عمال المناجم.
إننا نسير فعلياً إلى الهاوية تحت اسم تطور الحياة، نمشي صاغرين، طائعين وراء مسميات الرفاهية وراحة الإنسان، وهي ليست سوى إعادة تشكيل النص الفاوستي بطريقة عصرية، إننا نبيع كل شيء من أجل بعض الحياة الزائفة المغلّفة بالراحة والنعيم.

بطبيعة الحال مشروع الشريحة سيتحقق عاجلاً أم آجلاً، قبلنا به أم رفضناه، لأنّ أغلبية البشر لا تريد سوى التسليم الأعمى وعدم التفكير بشيء، إنها تبحث عن غريزة الاستمرار فقط، ولا يهم أي عبودية مغلّفة بثنايا أخرى، وحتى الرافضين لعبودية التكنولوجيا هم عبيد بطريقة أخرى، عبيد ميتافيزيقيون، وحتى الأكثر ثقافة ورفضاً لعبودية الشكلين التكنولوجي والميتافيزيقي هم عبيد من نوع آخر، عبيد أكثر ذكاء، عبيد لتحليلاتهم التي يبحثون من خلالها عن منطق تصالحي بين الماورائي والواقعي.

الأمر واضح جداً، أن الإنسان منتهك لأقصى حد وكل محاولة لنضاله ليست بذات فائدة إلا بشرط وحيد؛ تدمير كل هوية مؤسساتية وحكومية ودين وسياسة، ولا نفع لأي تصالح معه.

سيأتي يوم ويخلد فيه الإنسان في الأرض ويتم إنقاذه من الشيخوخة والموت الطبيعي، لكنه سيموت عندما تُزرع الشريحة في رأسه، سيموت والمؤسسات تتحكم به إن فكّر خارج الصندوق، وإن رفض ما لا يجب أن يُرفض، سيموت إن أصبح البشر زائدين عن الحاجة دون أن يتم صرف أموال للحروب والقنابل، موت بإيقاف الشريحة من جهاز كومبيوتر؛ موت سريع لمجرد الاختلاف.

مشروع الشريحة يضع كل من يقدّس الحكومات والمؤسسات ويدعم وجودها أمام اختبار أن يقفوا قليلاً أمام أنفسهم ويتخذوا موقفاً واضحاً من كل ما يجري، إما رفض الحكومات وإما الرضوخ لها، لم تعد إيجاد التوافقية بين البشر والسلطات تجدي نفعاً.

مشروع إيلون ماسك تطبيق حقيقي لمقولة شكسبير، أن نكون أو لا نكون.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.