مرارة الهزيمة وكذبة العسكر.. أكثر من نصف قرن على حزيران

من الطبيعي أن يعمّ الشعور بالمرار والذل الوطني والقومي بعد الهزيمة، لكن ما هو مؤسف أن الأنظمة الحاكمة لم تقم تقريباً بأيّة مراجعات لطرق إدارتها للمجتمع، ومشاريعها، وكان تفاعلها مع الحدث دون مستوى المسؤولية التاريخية التي تنطعت للتصدي لها.

الأيام السورية؛ عمار عكاش

كان من الطبيعي أن تشكّل هزيمة حزيران صدمة قويّة لوجدان الشعوب العربية، فسرعة الحرب الخاطفة والهزيمة السريعة وبتكاليف بشرية ومادية مريعة مع احتلال جزء من الأراضي المصرية والسورية جاء كارثياً بكل المقاييس، ومن الطبيعي أيضاً أن يعمّ ذلك الشعور بالمرار والذل الوطني والقومي بعد الهزيمة، لكن ما هو مؤسف أن الأنظمة الحاكمة لم تقم تقريباً بأيّة مراجعات لطرق إدارتها للمجتمع، ومشاريعها، وجاءت تفاعلات النخب السياسية المعارضة حينها مع الحدث دون مستوى المسؤولية التاريخية التي تنطعت للتصدي لها ( وحين أقول مسؤولية تاريخية أستعير مصطلحات هذه النخب التي اعتبرت أنها ذات مهمة رساليّة).

استيلاء عسكريّين على الحكم ورغبتهم في إدارة المجتمع هو بحد ذاته كارثة، أما تأثير ذلك على الجيش فهو أن الجيش بدأ بالتدريج يفقد وظيفته المهنية والوطنيّة وأصبح وسيلة للحكم وقهر المجتمع.

ما أفرزته هذه الهزيمة عملياً كان انتعاش التيّارات الإسلاميّة والسلفية، وإعادة إنتاج الأنظمة العربية الاستبدادية، فالناصريّة التي لم تتغيّر قيد أنملة فيما يتعلق بموضوع الاستبداد وأحلام زعامة العالم العربي من موقعٍ فوقيّ، واكتفت بالتضحية بالمشير عبد الحكيم عامر وتحميله مسؤوليّة الهزيمة، أما في سوريا فتم إقصاء كبار مسؤولي الجيش إلا حافظ الأسد بسبب نفوذه القوي في الجيش والمخابرات الجوية وسيستولي لاحقاً على الحكم ويُدْخِل سوريا في نفق مظلمٍ لم تخرج منه بعد.

قصور النقد الثقافي للهزيمة

التقط النقد الثقافي للهزيمة جانباً من جوانب الهزيمة يصلح لفهم بعضٍ من أسباب ضعف المجتمعات العربية، ولكنه غير كافٍ لفهم الجوانب الأخرى للهزيمة وبشكل خاص مسؤولية السلطات الحاكمة بمعزلٍ عن المجتمع، فمثلاً يمكن إن ركنّا إلى النقد الثقافي أن نفهم نسبياً لماذا لم تقدْ الهزيمة إلى ثورة شعبية عارمة تتناسب ومستوى المرار الذي شعر به الناس في الدول العربيّة؛ كيف يمكن لشعوبٍ تماهت مع المخلص عبد الناصر أن تحاسبه وهو نبيّها؟ فالأسهل أن تحاسب نفسها على عقوقها لأبيها المخلص.

والمفارقة أن النقد الثقافي من خلال أهم منظريه ياسين حافظ مارس منذ بداياته تبريراً مريعاً لكل ظاهرة الناصرية في تناقض ذاتي ظاهر، لقد خرجت الجماهير تريد عبد الناصر الدكتاتور رئيساً بدل أن تطالب هي باستقالته وتنحّيه، أليس هذا مشهداً سريالياً مبكياً!.

عبد الناصر مع قادة عسكريين (صحيفة النهار)

لا أمة ولا وطن بنظرهم دون بعثيين

على الجانب السوري يشبه البعثيون كثيراً في عقليتهم عقليّة الجماعة الأخوانية، فكان جلّ همّهم بقاء البعثيين في السلطة بأي ثمن ولو دخلت حرب إخضاعٍ مع المجتمع، فلا أمة ولا وطن بنظرهم دون بعثيين، ويمكن تعويض خسارة الأراضي، أما خسارة البعث للسلطة فستكون نهاية الأمّة العربيّة (الاستيلاء على السلطة حسب قاموس ديماغوجيا البعث هو ثورة مستمرة).

سقوط الجولان.. من المسؤول؟

منذ تأسيس دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ وجبهة الجولان يتم تحصينها وتدعيمها، إضافة إلى وعورة تضاريسها التي تجعل أيّ جيش في العالم يعدّ نفسه لحرب طويلة الأمد إن فكر في الاستيلاء عليها، لكنها سقطت في خمسة أيام!. حقيقةً لا نريد أن نغالي بإمكانات سوريا كما تفعل الكثير من أدبيّات المعارضة بقدر ما نريد أن نتحدث عن مسؤولية سلطة البعث في سوريا والناصرية عن الهزيمة.

ما أفرزته الهزيمة كان انتعاش التيّارات الإسلاميّة والسلفية، وإعادة إنتاج الأنظمة العربية الاستبدادية، فالناصريّة لم تتغيّر قيد أنملة فيما يتعلق بموضوع الاستبداد وأحلام زعامة العالم العربي من موقعٍ فوقيّ، وعسكرة البعث تستولي على الحكم لتدخل سوريا في نفق مظلمٍ لم تخرج منه بعد.

بدايةً أرى أن استيلاء عسكريّين على الحكم ورغبتهم في إدارة المجتمع هو بحد ذاته كارثة، أما تأثير ذلك على الجيش فهو أن الجيش بدأ بالتدريج يفقد وظيفته المهنية والوطنيّة وأصبح وسيلة للحكم وقهر المجتمع.

وبمجرد استيلاء البعثيين على السلطة في انقلاب 8 آذار 1963 تم تنحية كل الناصريين وكل من هو مشكوك بولائه للبعث، وخسر الجيش السوري حينها مئات الضباط المدرّبين تدريباً حديثاً في دول اوربية غربية وشرقية، وقاد ضعف جهاز الاستخبارات السوري المنصرف منذ أيام عبد الناصر إلى القمع إلى زرع جاسوس مثل ليفي كوهين في سوريا، ولم تكلّف المخابرات السورية نفسها عناء تعقب تاريخه وهو القادم فجأةً من إحدى بلدان الاغتراب، خاصةً أنه صادق بعض الضباط المهمين والقادة البعثيين رفيعي المستوى، ولا شك أن قصة كوهين تكشف مدى قدرة إسرائيل الاستخباراتيّة حينها على جمع المعلومات العسكرية والسياسية عن سوريا.

من صور الهزيمة(فلسطين نت)

عمار عكاش، كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الجنسانية والثقافية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.