مدارس فكرية متوحشة التهمت الثورة السورية

الأيام السورية - حليم العربي - سوريا

فشلت المدارس الفكرية الدخيلة على تنوعها في جذب الشارع السوري الثائر منذ سبعة أعوام، وفشلت في جعل الثوار حاضنتها التي ستلوذ إليهم حين تصطدم مع أعدائها، وفشلت في الحفاظ على تلك الحاضنة رغم كل حلقات البطولة التي قدمتها تلك المدارس على الجبهات في الداخل أو على طاولات الاجتماعات في الخارج.

لعل استيراد مناهج فكرية هجينة وغريبة على الشعب السوري كمنهج القاعدة، ومحاولة زجها بقوة وعنف في المناطق المحررة، كان له الدور الأكبر في معاناة الكثير من الثائرين، رغم أنها نجحت عندما استخدمت أبنائهم في معاركها البطولية مع نظام الأسد، وأخرجته عن الخدمة في وقت قياسي، وكادت أن تطيح بالمليشيات متعددة الجنسيات المناصرة  له؛ لولا ذلك الغطاء الجوي الروسي. في المقابل فشلت تلك المناهج فشلاً ذريعاً؛ عندما استخدمت أبناء الثورة كدروع بشرية أو مطية لعبور مناهجها إلى عمق الساحة السورية، فتسببت في تشظيها وأدت لصدام الأخ مع أخيه في معارك لإحياء تجارب ميتة سريرياً في دول أخرى.

لن تستطيع اليوم أي من تلك المدارس الفكرية الادعاء بأنها تمثل الشارع السوري الثائر، لأنه سرعان ما ستنتفض مدارس أخرى وترفض هذا الاحتكار في التمثيل، ولن تقتصر الانتفاضة على وسائل التواصل المحررة من أي قيد والمتفلّتة من مقصات الرقابة بل يمكن أن تتحول لمظاهرات شعبية تؤدي إلى معارك حقيقية تنسف الساحة برمتها كما يحدث في الغوطة الآن.

بعد انتهاء كل تلك المعارك الجانبية سيضطر الجميع للجلوس على طاولة المفاوضات للحوار لأنه سيصبح الضامن الوحيد لبقائهم وإلا سيأتيهم الحل المفروض من الأقوياء كما حدث في “الأستانة” حين جلسوا مع ألد أعدائهم وقبلها في قطر فيما يسمى باتفاق “البلدات الأربعة”.

إن تعنت قادة الفصائل الشديد هو من أوصلهم لهذه الدرجة من الوهن، فلا ينفعهم الترقيع باستشهادهم واستحضارهم لحوادث مفاوضات كبيرة؛ فعلها النبي محمد عليه الصلاة والسلام في “صلح الحديبية” الذي أدى لوصوله مع أصحابه للحج في مكة، ولا أن يضربوا المثل بمفاوضات صلاح الدين الأيوبي مع ريتشارد قلب الأسد التي أدت لاختلاط جيش المسلمين بجيش الفرنجة، وسمحت للمسيحيين بالوصول إلى الحج في القدس، فتحول العدو القاتل أمس لحامي قوافل الحجيج والتجارة حتى تبلغ مأمنها.

هذه الحوادث تضع الفصائل في موقف محرج أمام حاضنتها، إذ كيف استطاع قادة جيوش الإسلام الجلوس مع أعدائهم، ولم يستطع قادة الفصائل الجلوس مع بعضهم، للتفاهم على كل الأمور المصيرية ونبذ التخوين والاستعلاء والإقصاء التي تمارس من قبل الجميع ضد بعضهم البعض.

على تلك القادة أن يتعلموا كيف استطاع قادة جيوش الإسلام في تاريخنا ضمان جنودهم لتحقيق العدل والوفاء بالعهد، وبناء الدولة والحفاظ على المؤسسات وسيادة القانون.

لم تعد تحلم الحاضنة الشعبية اليوم إلا ببعض الأمن والوصول لسلطة شرعية  تحافظ على هوية شعبها وقيمه، سلطة متماسكة قوية تفاوض وتحاور وفق مبدأ إسلامي وإنساني، تحقن الدماء بعيداً عن المزاودات وخوض المغامرات ليسرق البعض ثورة الضعفاء المظلومين أمام أعين أهلها، ويذبحها قرباناً أمام أقدام مشروعه الهجين.

إن مخططات التقسيم تجري تحت أعين قادة الفصائل ولا يمكن لفصيل أن يتصدى لها ويمنعها، فالحاجة لتوحيد الصفوف دون شروط مسبقة كإقصاء بعض أطياف الثورة هو الطريق الوحيد للوصول للدولة الحرة بعد نبذ تلك المشاريع الفكرية المتضاربة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.