مختارات من “أغاني القبة”

عوالمُ العقلِ كلُّها لا تلقي شعاعاً واحداً على هيكل الحقيقة العظمى، دع ذا، وسَلْ قبله: هل عرف العقلُ نفسَه؟ نحن نقطة التسليمِ، والعقل مع الإشراقِ قطرُ ندى على سطحِ البحرِ.

بقلم: خير الدين الأسدي

سُوْرَةُ “الحَبْرَةِ”

أنَّى لكَ، يا حافِظُ! هذا القَفَصُ: قَفَصُ الجَسَدِ، وأنْتَ الحَبْرَةُ: ذَلِكَ النَّغَمُ الحَالِمُ على شَفَةِ الخُلودِ؟ مِنْ خُيوطِ الأنسامِ الحَيْرَى تَخِذْتُ أوتارَ عُودي، لِتَهيمَ مَلاحِنِي في تِيهِ اللهِ، حيثُ أفلاذُ الحِكْمَةِ، وحيْثُ أَمَمُ النُّورِ. إزاءَ عَمودِ الصَّباحِ يُطاوِلُ عمودَ شِعْري: سارِيَتَانِ مِنْ نورٍ وبَهاءٍ، يَتَمَطَّى فَوْقَهُما بُرجُ الجمالِ.

فمُضِيّاً، يا رُوحُ! يا جَناحَ الطُّهْرِ! وزَحْمةَ الإلهامِ! في مَطافِ العالَمِ القُدسِيِّ، مُضِيّاً إلى نَبْعِ الشَّمسِ الصَّادِحِ المُكَوْثَرِ الغارِقِ المُغرِقِ، لأغْسِلَ بِبَهائِهِ أواسِيَّ رِدائي، وأَفْتَحَ بابَ قَلبي بِمِلءِ القِوَى، ليستقبِلَ نَسِيمَ الشُّعاعِ مِنْ مَهَبِّ الحياةِ، وأكْحُلَ حِنْوَ نَجْمِ العَيْنِ بترابِ الحانَةِ، فلا أكتُبُ أرقاماً خاطئةً في لَوْحِ المَعْرِفَةِ، وأنْزِعَ عَنْ وجُودي نُحاسَ الوُجودِ، لأغْدُوَ ذهَبَ اللهِ بِكِيمْياءِ حُبِّهِ.

لقد سُقِيتُ السِّكينةَ في رِحابِ الجَنابِ، وخُتِمَ على شفتيَّ، فَشرِبْتُ دمَ قلبي في صَمْتٍ وسُكونٍ، وَأوْلانِيَ حبيبُ الأزلِ كَنْزَ الحُزْنِ والرِّضا والطَّرَبِ، لأكونَ المَعْنَى المُبْهَمَ الحُلْوَ الصّدَّاحَ يدورُ في خَلَدِ الزَّمانِ. ونادانيَ الصَّوْتُ: بِعَيْنيَ أنتَ، لأسقِيَنَّكَ شَرابَ الصِّدْقِ، وَلأكْشِفَنَّ لكَ عن وَجْهيَ الكريم، وَلأُطْلِعَنَّكَ على لُغاتِ الصَّمْتِ في الطَّيْرِ والزَّهْرِ، وفي كلِّ رفيفٍ. فأنا النُّقطةُ تحتَ الباءِ، أنا سُلْطانُ مَمْلكةِ النُّورِ، أنا رُبَّانُ بحرِ التّمجيدِ، أنا قَيّومُ الزَّمانِ والمكانِ. شَهِدْتُ عهدَ أنْ كانتِ النُّقطةُ دائرةَ عوالمِ الحُروفِ، وَنَظَرَ الحقُّ إليها بالهَيْبَةِ فَسَالَتْ وكانتْ ألِفاً.

أنا طائرُ بُستانِ اللهِ، أنا تطْريبةُ السَّماءِ، أفْلَتُّ مِنْ شِبَاكِ الدُّنيا على نداءِ الحَبيبِ.

أنا مَزاميرُ مِحْرابِ الزَّمَنِ، أنا بَبَّغاءُ الحَضْرَةِ، أُرَدِّدُ ما يَنْفُثُ في مِنقاريَ أُسْتاذُ الأزَلِ.

أنا قُمْريُّ الفَجْرِ، أهِيمُ بِتَسابيحي من مَرْفَهٍ إلى مَرْفهٍ، وأُشْعِلُ فَوانِيسَ المَرَحِ في ضِفافِ الحَيَاةِ.

نَسَمَتْ مِسامِعُ مَشَامِّي ومَشَامُ مَسامِعي تَراتيلَ العِطْرِ من قُمْقُم اللهِ. اِدَّغَمَتِ الحواسُّ، يا عبابيدَ الدِّيارِ! فلا يُسَمِّرني في أرضِكُمْ سَبَبٌ ولا وسيلٌ، وَهِمْتُ في أوْداءِ الهَوَى، تَنُوءُ بي أحلامُ السَّماءِ، فأزجوهاشِعْراً غريبَ النَّغَمِ. فَقُلْ لِرِضْوانِ الجِنانِ: هذا تُرابُ مَجلِسِ حافظٍ، اِجْعَلْهُ بَخوراً في مَجْمَرَةِ فِرْدَوْسِكَ.

أفْتَحُ ممالِكَ القُلوبِ، وأُغْرِقُ ساحةَ الكونِ بالنَّشوةِ للصَّفْوَةِ المَطَارِيبِ، وأسوقُ بإسْعادِ الحَبيبِ هذهِ الدُّنيا في هُدُوءٍ. أَرْعَى رَوَاسِخَ أَعْضَادِ عَهْدِيَ حَتَّى دَيْجُورِ الأبَدِ، كما رَعَيْتُهُ مُنْذُ تَنَفُّسِ فَجْرِ الأزَلِ: مُنْذُ أنْ لَفَّنا النُّورُ في مَجالي السُّعُودِ، ولَجَّ بنا الهَوَى، فَافْتَرَقْنَا على مِيعادٍ.

سورة “الجلنار”

الساعةَ الساعةَ: أجبتُ، في ندوةِ شعرٍ مرَرْتُ. وأين؟ يُهِمُّكَ؟ أينَ؟ في الجُلَّنارِ.

ما الجُلَّنارُ؟ تقول: دُنيا كدُنيانا، أخْطأتُ، بل أرشُدُ.

الجُلَّنارُ رَفِي! دُنيا كدُنْيانا: تدور حول شمسها، ويدور قمرُ الرَّفاهِ حَوْلَها. شمسُها يا رَفِي تَرامت ترامتْ في قُبَّةِ الوجودِ، فلا تُدْرِكُ العَيْنُ نُقْطَتَها، ولو حَنَتْ عليها حنايا البِلّورِ.

الجُلَّنارُ رَفِي! دانَتْ بوَحدَةِ الوُجودِ، وأدْركت سِرَّ السَّعادةِ، فَوَحَّدَتِ الرايةَ واللغةَ والنَّظْمَ والمُلْكَ، كما وَحَّدَتِ القلوبَ.

يا الجُلَّنارُ! يا الجُلَّنارُ يا ندْوَةَ الشِّعْرِ النَّديِّ! نَمْنَمَهُ فَنُّ الإلهِ.

 

سورة “الإشراق”

العقلُ، ما العقلُ؟ ما هذا الكائن الدهي؟

العقلُ، حسيرٌ جبانٌ، يتقلَّبُ في مُظلِمِ الأحاسيسِ، ولا يجرؤ أبداً أن يقرع باب السّرِّ.

عوالمُ العقلِ كلُّها لا تلقي شعاعاً واحداً على هيكل الحقيقة العظمى، دع ذا، وسَلْ قبله: هل عرف العقلُ نفسَه؟ نحن نقطة التسليمِ، والعقل مع الإشراقِ قطرُ ندى على سطحِ البحرِ.

العقلُ يحاول أن يطل على الأسطُقُسَّاتِ بمنافذ خمسٍ قاتمة، والإشراق يطل على الأغوارِ ببلَّورِ صفاءِ الشعاعِ.

في أرض العقل بصيصٌ من نور السماءِ يجلوه الإشراقُ، وينفذ إلى بعض الرفوفِ من خِزانة الوجود.

سورة “التُّفَّاحَةِ”

جَوْهِرِي النفسَ يا دموع! واغسلي غبار الأسى، كما يغسِلُ الضوء أواسيَّ الظنونِ.

غرقتُ في أسايَ، وغدا طِلابي من الدنيا أن تحملني أمواج دمعي إلى ضفافِ رضاكَ.

سأغوصُ في لججِ دمعي طلباً لجواهرِ وصالِكَ، وسألقي بضريمِ قلبي في عبابِ بحرِكَ.

سورة “الأسميذ”

أيكون لي يا حبيبي! بعد صبريَ وأسايَ أن أُشْعِلَ شموعَ العينِ في محراب حاجبِكَ؟

أيكون لي يا حبيبي! أن أشمَّ فوحَ الخلودِ من خِزانةِ ملابِ قلبكَ؟

ماذا يضيرُ لو أنني قطفتُ من مجاني بستانِكَ؟ ثم ماذا لو تظلَّلْتُ في حرقتي بظِلِّ سَرْوَتِكَ؟

نسماتُ الرياضِ يا أيها الأسميذُ! غادَرَتِ الورْدَ والصفصافَ حنيناً إلى عارِضِكَ وقامتِكَ.

يا مصحفَ الخلودِ! في معبد الوجودِ. رتِّل سنيَّ الآيِ، فالرَّكْبُفي حنينٍ.

يا هامشَ الكتابِ! يا جبينَ الحبيبِ! جَلِّ لي غامضَ الأساريرِ في ديباجةِ أُخَذِ الجمالِ.

إن رياضَ الجنّة، وظلال السِّدْرةِ ورحيقَ الكوْثَرِ، لا تعدِل يقيناً موطئ أقدامِك.

غلاف كتاب اغاني القبة/مصدر الصورة: موقع goodreads
مصدر كتاب أغاني القبة، خير الدين الأسدي
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.