مختارات من أشعار بابلو نيرودا

ترجمة: بول شاوول

إن سألتموني أين كنت، فعليّ أن أقول “يحدث أن”
على أن أتكلم عن الأرض التي تسودها الحجارة،
عن الفن الذي يتدمر وهو يطول:
لا أعرف ما إذا كانت الأشياء هي التي تفقدها العصافير،
البحر متروكاً في الخلف، أو أختي التي تبكي

1/

سلام الحماقة أهو سلام؟
أيضع الفهد الحرب؟
لماذا يدرس المعلم جغرافية الموت؟
ماذا يحدث للسنونوات
التي تَعِد متأخرة الى المدرسة؟
أصحيح أنها توزع عبر السماء
رسائل شفافة؟

2/

إنه الصباح المليء بالعاصفة في قلب الصيف.
مناديل بيض للوداع، الغيوم تجنح

والريح يدفعها بيديه المسافرتين.
قلب الريح لا يحصى، ويخبط حبنا الصمت.
أوركسترالي وإلهي، يهمهم في الشجر
كلغة مفعمة بالحروب والأناشيد.
الريح لص سريع يخطف الشجر
ويحرف سهمه الهادر للطيور
يقلبها في موجة بلا زبد
مادة أصبحت بلا وزن، نيران تنحني.
إناء قبل غارق ومكسور
يهزمه للتوّ ريح الصيف عند الباب.

3/

سأشرح لكم: عندما كنت أعيش في المدينة،
كان شارعي يحمل اسم كابتن
وكان لهذا الشارع جموعه، حانات الشرب،

أسواق بيع الأحذية، محاله المليئة بالمجوهرات.
ما كان يمكن التجول من شدة ما كان الناس عجولين،
الناس الذين يأكلون، يبصقون، يتنفسون،
يشترون ويبيعون ملابس.
كل شيء كان يبدو لي مضيئاً، كل شيء كان يلتهب
ولم يكن سوى رنين
كأن من أجل إبهارنا أو إدهاشنا
مضى زمان ولم أسمع شيئاً عن هذا الشارع،

نعم زمان طويل طويل، غيرت أسلوب حياتي،

أعيش بين الحجارة والمياه المتحركة.
الشارع الذي أتكلم عنه قد يكون مات
ميتة طبيعية من “البحر والأجراس”

4/

ماذا تخبئ هنا تحت حدبتك؟: قال الجمل للسلحفاة.
أجابته السلحفاة: وأنت ماذا تقول لأشجار البرتقال؟
أيكون لشجرة الاجاص من الأوراق
أكثر من “بحثا عن الزمن الضائع؟”
لماذا إذن تحس الأوراق باصفرارها وتنتحر؟

5/

أنا لا أحبك كوردة من ملح
الزبرجد.. قرنفل نشاب ينشر النار:
كما نحب بعض الأشياء الغامضة
إنما بين الظل والنفس، سراً أحبك
أحبك كالنبتة التي لا تزهر
التي تحمل في ذاتها، خبيئاً، ضوء هذه الأزهار،
وبفضل حبك يعيش غامضاً في جسمي
العطر المهموم الذي يفوح من الأرض.
أحبك ولا أعرف كيف ولا متى ولا أين،
أحبك بلا مواربة، بلا كبرياء، بلا مشاكل:
أحبك هكذا، ولا أعرف طريقة أخرى للحب،
أحبك هكذا، بدون أن أكون، بدون أن تكوني،
قريباً لدرجة أن يدك على صدري هي يدي
وقريباً لدرجة أن عينيك
تغمضان حين أنام.

6/

إن سألتموني أين كنت، فعليّ أن أقول “يحدث أن”
على أن أتكلم عن الأرض التي تسودها الحجارة،
عن الفن الذي يتدمر وهو يطول:
لا أعرف ما إذا كانت الأشياء هي التي تفقدها العصافير،
البحر متروكاً في الخلف، أو أختي التي تبكي
لمَ مد هذه المناطق؟ لم ينضم يوم
إلى يوم؟ لمَ ليل أسود يتكدس في الفم؟ لمَ الموتى؟
إن سألتموني من أين أجيء، فعلي أن أتكلم
مع الأشياء المكسورة، مع الأواني الشديدة المرارة،
مع الوحوش المنتنة غالباً، ومع قلبي المعذب
ليست الذكريات هي التي تلاقت
ولا الحماقة المصفرة التي تنام في النسيان
وإنما وجوه بدموع، أصابع في الحنجرة،
وما يتساقط من الأوراق:
عتمة يوم مضى، يوم تغذى بدمنا الحزين.
ها البنفسجات، الحمامات،
كل ما نحب ويظن
على بطاقات على ذنب طويل
حيث يتنزه الزمن والألم.
لكن لا تدخلن أبعد من الأسنان،
لا مغضن الجذوع التي قد يكدسها الصمت،
لأني لا أملك جواباً:
هناك كثير من الموتى،
كثير من المرميين الذين تخترقهم الشمس،
كثير من الرؤوس التي تضربها المراكب،
كثير من الأيدي التي حبست قبلات
كثير من الأشياء التي أريد نسيانها.

7/

إذا سلمت حشودك يا أميركا الشمالية
لتدمير هذه الحدود النقية، والاتيان بجلاد شيكاغو
ليحكم الموسيقى والنظام الذي نحب
سنخرج من الحجارة والهواء لننهشك،
سنخرج من النافذة الأخيرة لنسكب عليك النار
سنخرج من الأمواج الأعمق لنسمرك بالشوك
سنخرج من الأثلام لكي نضرب الموسم كقبضة كولومبية،
سنخرج لكي نمنع عنك الخبز والماء
سنخرج لنحرقك في الجحيم.

8/

ماذا فقدنا، أنا وأنتم
عندما سقط ناظم حكمت كبرج
كما ينهار برج أزرق؟
يبدو لي أحياناً
أن الشمس ذهبت معه، الذي كان النهار،
نعم، كان ناظم حكمت نهاراً ذهبياً
يؤدّي واجبه أن يولد من جديد كل فجر
برغم القيود والعقوبات
وداعاً، أيها الرفيق المضيء،
سافيتش الحلوة بين سانت باسيل
وبيوت المطار الجديدة،
أو في حي أربات سري أيضاً
متذوقاً نبيذي التشيلي، يسكبه
في جلد الصنبورة للفته
سافيتش، معك ضاعت
النحلة الذهبية
التي خلقت هنا عسل خليتي
يا صديقي العذب، يا رفيقي الشفاف.

مصدر  كتاب "مختارات من أشعار بابلو نيرودا" ترجمة بول شاوول. صدر عن "دار النهضة" في بيروت
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.