محمود درويش… في ذكرى الحضور

كيف تلاقت حروف القصيدة مع العشق للوطن، وكيف سال الجرح قافيةً؟ في ذكرى حضور “محمود درويش” الغائب الحاضر.

الأيام السورية؛ هديل الشامي
حين تلتحم القصيدة بحروفها مع القضية والجرح الفلسطيني خاصةً والعربي عموماً… عندما تبدأ القصيدةُ بالحنين للوطن وتنتهي باختصار الحكاية والقضية على الوريقات لتقدم للناظر فيها طريق الخلاص.
وقليلٌ من الأرض يكفي
لكي نلتقي، ويحل السلام
في كل حرفٍ تخطه يد محمود درويش باللون الأزرق الذي لم يفارق يده، يأخذك إيقاع الحروف السردي لأحداث مرت ولكنك تعيشها الآن بكل ما جال في تلك اللحظة من قلق وحزن وغضب وغيره من المشاعر التي رافقت المشهد آنذاك.
تعيش افتقاد الوطن كما عاشه محمود درويش، تعيش الشكوى من الفقدان والرحيل.
يا حبي الباقي على لحمي هلالاً في إطار
أترى إلى كل الجبال، وكل بيارات أهلي
كيف صارت كلها.. صارت أسيره؟
وأنا كبرت، كبرتُ يا حبي القديم مع الجدار
كبر الأسير، وأنت توقدُ
في ليالي التيه أغنيةً ونار
وتموت، وحدك، دون دار
 
تقنعك حروف “درويش” بضياءها الذي لا يتناثر للقارئ العابر؛ إنما لذلك القارئ الذي يسبر أغوار الكلمات، أن الإرادة أثمن القيم مهما كان حجم الخيبة والانكسار.
سأصيرُ يوماً ما أُريدُ
 
سأَصيرُ يوماً فكرةً
لا سَيْفَ يحملُها
إلى الأرضِ اليبابِ ، ولا كتابَ …
كأنَّها مَطَرٌ على جَبَلٍ تَصَدَّعَ من
تَفَتُّح عُشْبَةٍ،
لا القُوَّةُ انتصرتْ
ولا العَدْلُ الشريدُ
..
سأَصير يوماً ما أُريدُ
 
يخاطب قرائه فيبوح بكل ما ملك من صدق:
بايعت أحزاني
وصافحت التشرد والشغب
غضب يدي
غضب فمي
ودماء أوردتي عصير من غضب !
يا قارئي !
لا ترج مني الهمس !
لا ترج الطرب
هذا عذابي
ضربة في الرمل طائشة
وأخرى في السحب !
حسبي بأني غاضب
والنار أولها غضب !
استطاع محمود درويش بطريقته الفريدة من نوعها أن يربط قرائه بالقضية الفلسطينية خصوصاً… وحين تحضر كلماته يغزوك الوجع لفقد الوطن تنزف جراحك كما تنزف جراح فلسطين وأبناءها.
الرداء الشعري لكل ما كتبه يبدو كميثاقٍ وثائقي، فتنساب الكلمات والصور إلى القارئ؛ ليتقين أن محمود درويش هو شاعر المقاومة وصوت من لا صوت له.
في ذكرى الحضور لا الغياب، ليست هذه الحروف رثاءً للشاعر، فكيف أرثي من بقي على قيد الحياة؟
كيف أرثي من هو عصيٌ على الغياب؟… إنما هي بعض العبرات، فهو الحنين بسطوته لذلك “الإنسان” الذي كانت عالميته تمد جسراً من المقاربات والمفاهمات الإنسانية بين الشرق والغرب.
سلامٌ لروح محمود درويش… سلامٌ لروح من غرق وسيغرق في عمق كلماته… سلامٌ لمن أحب فلسطين… لمن وقف إلى جانب الحب لا إلى جانب الحرب.
سلامٌ على من لا تكل روحي ولا تمل من الاستماع لصوته الباقي أبداً… ودهراً… وما بقي الإنسان.
في ذكرى الحضور
لا أريد أن يبادلوني التعازي
لا أريد أن يبادلوني الحزن
هذه العبراتُ على راحة يدي
ستهبني بعضاً من حياةٍ أخرى
ستهبني بعضاً من نعيمٍ
هناك حيث روح “درويش” باقيةٌ
في ذكرى الحضور… أنت عصيٌ على الغياب
يا “حبة القمح التي ماتت لكي تحضر ثانية”
لا شيء يكسر أصداء القمر
في وقت الضجيج… في وقت الغياب
لا شيء يمحو حضورك
فسلامٌ عل روحك… سلامٌ على أرض الجليل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.