محمد الماغوط.. الشاعر المتمردة الذي أعلن أنه سيخون وطنه

ستبقى قصيدة الماغوط حاضرة في كل زمن، وسيبقى هو الرجل بتلك الضخامة الطفولية وابتساماته التي لم تفارقه أبداً رغم كل مآسيه، تحضر عند كل قراءة جديدة له. لقد أثرى تاريخ الادب وتاريخ الإنسان وخلّد سوريا وسلميته بحب لا يزول.

الأيام السورية؛ خالد علوش

يُقال بأنّ العمل الحقيقي يُقاس بالقدرة على معرفة النمط الخاص بصاحبه دون تذييل أو توضيح له، وهذا بالضبط ما يستشعره أي قارئ يمكن أن يُصادف قصيدة للماغوط، حتى وإن كانت مجهولة الاسم. ولا تكمن فرادة الماغوط عند هذا الحد الإبداعي، بل هو تاريخه الذي حوّله مرافقاً لصورة تخيّلية حاضرة في أي قراءة له.

أن تقرأ لمحمد الماغوط فهو يعني أن ترتسم في مخيلتك صورته الكاملة، بقساوة طفولية في الوجه وبجثته الضخمة المسترخية على أريكة عتيقة، وخيوط التبغ المتراقصة حول تفاصيله، وهمهمات أنفاسه الثقيلة، تلك الصورة الحاضرة للماغوط في كل قصيدة كتبها وعاش مفرداتها بصدق لم يعشه كاتب آخر.

الولادة والنشأة

ولد محمد أحمد عيسى الماغوط في مدينة السلمية التابعة لمحافظة حماه عام 1934 لأب كان فلاحاً فقيراً وبسيطاً ظلّ أجيراً يعمل في أراضي الآخرين طوال حياته. تلقّى علومه الأولى في الكُتّاب على يد خطيب جامع كان يعلمهم القراءة والكتابة عند شجرة كبيرة يجتمع تحتها أولاد الفلاحين، بالإضافة إلى أنه كان يرعى الخراف وهو ابن سابعة.

لقد كانت تلك النشأة الأقرب للإهمال نتيجة البيئة الزراعية التي عاش فيها، رغم كل محاولات والديه أن يخلقا من أبنائهم الستة أشخاصاً أخلاقيين وطيبين كي يعيشوا بذات الطريقة التي عاشها الأب، لكن محمد قد وُلد وفي روحه نزعة التمرد البدائي، وتجلى ذلك التمرد بتعلّم الماغوط للتدخين وهو ابن تاسعة، فكان يلتقط أعقاب السجائر ليعيد تجميعها وتدخينها.

حاول الأب كبح جماح ابنه لكن دون جدوى وخاصة بعد الحادثة الأشهر التي يتحدث عنها الماغوط نفسه، عندما أتى أحد الأمراء أثناء دفن فلاح، فأخذ يرمي عليهم الحنطة، وما كان من الماغوط إلا أن أخذ حجراً وضرب به الأمير، وتمت معاقبته بالجلد. ذلك التمرد البدائي ترك آثاراً قوية في روحه لرفض كل الأشكال التي لا تعجبه.

دراسته

كانت فترات علومه الأولى في دراسة القرآن بمثابة الأساس الذي حدد ثقافة الماغوط الكاملة، على مستوى المعرفة واللغة أيضاً كمرجع عند ممارسة الأدب. في المرحلة المتوسطة نال الشهادة الزراعية من السلمية لينتقل بعدها إلى دمشق ليكمل في معهد داخلي بالغوطة لدراسة الهندسة الزراعية في ثانوية “خرابو”، ويذكر الماغوط الحادثة التي سببت له حرجاً وأسفاً على حاله ووضعه عند الانتقال، فقد كتب والده رسالة إلى إدارة المدرسة يطلب فيها الرأفة بابنه لأنه فقير، فتم تعليق الرسالة على لوحة الإعلانات وهو ما جعل محمد الماغوط يترك الدراسة ويعود إلى السلمية، بعد تعرضه النفسي للأذى والسخرية.

في تلك المرحلة بدأ العمل في الأراضي مثل أبيه لكن ذلك العمل لم يستهويه كثيراً، فانضم إلى الحزب القومي السوري دون أن يقرأ مبادئه حتى، ويعزو الماغوط سبب انضمامه لقرب مركز الحزب من بيته ووجود مدفأة يستطيع الجلوس قربها في ليالي الشتاء. بدأت تتفتح مواهبه الشعرية، فنشر قصيدة بعنوان “غادة يافا” في مجلة الآداب.

السجن

عندما أصبح في عقده الثاني تم سحبه للخدمة العسكرية، وهناك كتب أولى قصائده النثرية بعنوان “لاجئة بين الرمال” ونشرها في مجلة الجندي عام 1951، حيث كان أدونيس وسليمان عواد وخالدة سعيد ينشرون بها. استمرت حياته بشكل روتيني حتى بعد إنهاء خدمته وعودته للعمل في الأرض إلى عام 1955، حيث انقلبت حياة الماغوط رأساً على عقب. ففي ذلك التاريخ اُغتيل عدنان المالكي وتم اتهام القوميين السوريين بالعملية، ويذكر الماغوط أن اعتقاله تم قبل الاغتيال بساعة تقريباً، وفي فترة سجنه التي دامت ستة أشهر متقطعة بين ملاحقة وتخفي واعتقال أكثر من مرة، كتب على ورقة بافرا قصيدته السجن والتي نشرها فيما بعد كما هي، والتي حددت توجه الماغوط ليس الشعري فقط بل توجهه في الحياة.

في السجن تعرّف على أدونيس، وبعد خروجه استمرت فترة من العصبية وخاصة ما كانت تعانيه البلاد، وفي عهد اوحدة أصبحاً مطلوباً من السلطات ف دمشق، فغادر إلى بيروت.

محمد الماغوط في شبابه (العربي الجديد)

الماغوط في بيروت

كانت بيروت هي المدينة والناس الذين احتضنوا محمد الماغوط وتغيرت حياته نهائياً، حيث تعرّف هناك على يوسف الخال والرحابنة وأنسي الحاج، وانضم إلى جماعة “شعر” وبدأ ينشر بها، لكن صديق شوارع بيروت لم يكن أحد من شعراء مجلة شعر، بل كان بدر شاكر السياب الذي رأى في الماغوط تشابهاً بينهما في سيرة الحياة، فجمعتهما صداقة حميمة توّجت بالتسكع الطويل في ليالي تلك المدينة الثقافية وعلى أرصفتها. وفي ذات الفترة تعرّف على سنيّة صالح، أخت خالدة سعيد زوجة أدونيس، ونشا بينهما تحدي حول جائزة جريدة النهار عن أحسن قصيدة نثر. تلك العلاقة التنافسية تركت انطباعاً أولياً من العاطفة في كليهما، والتي ستتوج فيما بعد بزواج طويل.

الإصدار الأول

في عام 1959 أصدر مجموعته الأولى “حزن في ضوء القمر” وأعقبها عام 1960 بمجموعته الثانية “غرفة بملايين الجدران”. حينذاك عاد إلى دمشق وقد أصبح اسماً كبيراً في عالم الشعر. لم تمضِ فترة طويلة حتى وصلت سني صالح لتكمل دراستها في جامعة دمشق، حيث ساعدها في استكمال أوراها الجامعية وبدأت تنشأ بذور الحب العميق بينهما. في عام 1961 أمضى الماغوط ثلاثة أشهر في السجن، وبعد خروجه بقي مطارداً، فاختبئ في عين الكرش وهناك كتب مسرحيته “العصفور الأحدب”، وكانت سنية وزكريا تامر يمدانه بالكتب والطعام.

زواجه

بعد تلك المرحلة تزوج محمد الماغوط وسنية، حيث قال عنها: “سنية هي حبي الوحيد، نقيض الإرهاب والكراهية، عاشت معي ظروفاً صعبة، لكنها ظلت على الدوام اكبر من مدينة وأكبر من كون، إنها شاعرة كبيرة لم تأخذ حقها. ربما آذاها اسمي، فقد طغى على حضورها، وهو أمر مؤلم جداً، كما أنها لم تأخذ حقها نقدياً”. وأنجب منها ابنتيه شام وسلافة.

الماغوط الصحفي

في الستينيات عمل في الصحافة وكتب المقالات النقدية الساخرة، كما صدرت مسرحيته المهرج. وفي السبعينيات عمل في رئاسة تحرير مجلة الشرطة، حيث استمر في الكتابة الصحفية، لكنه أراد أن يتبع طرقاً جديدة في التعبير للوصول إلى الناس، فبدأ بكتابة المسرحيات “ضيعة تشرين وغربة وكاسك يا وطن”. لكن تلك المرحلة لم تستمر، فبعد بداية الثمانينات بدأ الحزن يتغلغل في قلبه تدريجياً نتيجة الحوادث التي عاناها، فتوالت حوادث الموت التي كانت تأتي تباعاً، من رحيل شقيته ليلى 1984 إلى وفاة والده 1985 ثم مرض زوجته سنية بنفس العام ورحيلها، وتلك كانت الضربة التي قصمت ظهر الماغوط وتركت في روحه نزعة التشاؤم الكوني التي ستتجلى في أعماله بعد ذلك. لم يتزوج الماغوط بعد موت سنية، فبقي أرملاً لتربية ابنتيه حيث يقول : “لم أكن عائلياً محباً للحياة والأسرة، الآن فقط، بعد رحيل سنية، أصبحت محباً للمنزل والعائلة”. لكن سلسلة الموت لم تنتهي، فبعد عامين من وفاة سنية رحلت والدته وتركت روحه هائمة ووحيدة. كل تلك الأحداث خلقت في الشاعر الثائر إحساساً عميقاً بالتعبير العميق عن المعاناة الإنسانية قبل المعاناة الشخصية، فاستمر بالكتابة للسيناريوهات السينمائية “الحدود والتقرير والمسافر” كما كتب مسرحية “شقائق النعمان” وبعض المسلسلات التلفزيونية.

في عام 1996 تعرض لأزمة صحية وتم نقله إلى باريس ليخضع لعملية جراحية خطيرة، أُنقذت حياته فيها لكن أصبحت صحته ضعيفة جداً بسبب انسداد الشريان السباتي الأيسر لغزارة التدخين الذي كان يمارسه، ورغم مرضه لم يتوقف عن تلك العادة التي لازمته طوال حياته، فالتدخين بالنسبة له هو سعادة بشرية لا تقل عن سعادته بنضاله من أجل الناس وكتاباته الحادة ضد الظلم والطغيان.

مع بداية عام 2000 صدر له ديوان سياف الزهور، حيث استهل الكتاب بقصيدة لرثاء زوجته سنية، وبعد ذلك أصدر آخر أعماله وهو شرق عدن غرب الله، وتوقف بعد ذلك عن الكتابة نهائياً، لينال عام 2005 جائزة العويس للشعر، حيث كان حينها على كرسي متحرك.
في ربيع عام 2006 رحل الماغوط عن الحياة بعمر 72 عاماً بعد صراع طويل مع مرض السرطان، مودعاً هذا العالم والوطن الذي عاش لأجله، من أجل ابتسامات الناس وحقهم في الحياة، ضد الظلم والطغيان والقوة والانتهاك.

محمد الماغوط في أيامه الأخيرة (أنا برس)

الماغوط وقصيدة النثر

رغم بساطة قصيدة محمد الماغوط النثرية إلا أنها تحمل قيمها التشاؤمية ونضالها بطريقة خاصة لم توجد في رجل آخر، لقد أعلنها بفطرية الحب والجمال، والسبّاق إليها، فجميع من عاصروه كتبوا قصيدة النثر، أدونيس ويوسف الخال وأنسي الحاج، لكن الماغوط ببساطته خلق روحه على الورق قبل أي رغبة للتنظير الأدبي، وهو ما جعل تاريخ الأدب والشعر يرسم خطاً جديداً في سوريا والعالم العربي.

ستبقى قصيدة الماغوط حاضرة في كل زمن، وسيبقى هو الرجل بتلك الضخامة الطفولية وابتساماته التي لم تفارقه أبداً رغم كل مآسيه، تحضر عند كل قراءة جديدة له. لقد أثرى تاريخ الادب وتاريخ الإنسان وخلّد سوريا وسلميته بحب لا يزول.

مصدر (إبراهيم مشارة، محمد الماغوط تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي)، (هاني الخيِّر، محمد الماغوط شاعر الغضب والحب) (عصام شرتح، محمد الماغوط وثورة الشعرية)، (توفيق الشيخ حسين، محمد الماغوط شاعر الفطرة والصدق) (حوارات مع محمد الماغوط)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.