محكومون بالألم

بقلم: دلير يوسف

لا يشعر بالألم إلا صاحبه… تترد في ذهني هذه الجملة في الأيام الأخيرة، أيامٌ طويلة وثقيلة لا أحسب أنّ المرء قادرٌ على تحملها. كثيرة هي المصاعب التي أمرّ بها في هذه الآونة.

مرض وفقر ومنفى وتعب وخيبات أمل وقهر.. كآبتي هذه لا تنتهي. لعلّه قدرنا نحن المنفيين أن نعيش في حيوات لا تشبه الحياة.

 

أمامي الآن حبل مشنقة، كنت قد اشتريته مؤخرًا من أجل فيلم أصوره، أتأمل هذا الحبل طويلًا ثم أفاضل بينه وبين مجموعة من الأدوية من التي أواظب عليها منذ فترة ليست قصيرة. ما قيمة ما أقوم به؟ ما الغاية من كلّ شي؟ ما معنى وجودنا؟ ما هدف الحياة التي نحياها؟ هل لنا دور في شيء ما قد يؤثر على شيء ما؟ أسئلة كثيرة تراودني ولا أرى، أنا الكائن الذي لا حول له ولا قوة، إلا ظلامًا.

أفكر بيني وبين نفسي بنفسي، تقريبًا أتألم مع كل حركة أقوم بها، حتى عند كتابة هذه السطور أشعر بالألم في يديّ وكتفي وظهري ورقبتي، لا ترحمني هذه الأعصاب اللعينة. ألم رأسي الذي يرافقني منذ أكثر من خمس سنوات أصبح صديقي الحميم. لم أعد قادرًا على تحمل الألم.

مهجرٌ أنا ولاجئ، كما عائلتي، كما الملايين في هذا العالم القذر. تشكّل الحرب في مدنِنا خلفية لحيواتنا البائسة، نحاول نسيانها، نسيان الحرب، لكنها في كلّ مرة تذكرنا بمأساتنا بطريقة جديدة.

فقر مدقع أصابني مؤخرًا يذكرني بطفولتي وفقر عائلتي حين كنت صغيرًا ألعب في شوارع القامشلي، دون أن أعي ما الذي يعنيه هذا الفقر. رغم كلّ هذا الذي يحدث من حولي وفي داخلي إلا أنّني “كنت” متمسكًا بالأمل إلى أن خذلني بعض ممن حسبتهم أقرب الناس إليّ. حين تفقد ثقتك بالبشر… اِرحل عنهم.

أعود إلى حبل مشنقتي وإلى حبوبي الدوائيّة إلا أنّني أجبُن كما في ذلك اليوم منذ أربع سنوات، كنت حينها حديث العهد باللجوء، حين وقفت على ذلك الجسر المرتفع فوق صخور حادة راغبًا في الرحيل. جبانٌ أنا اليوم.. جبانًا كنت في ذلك اليوم. إلا أنّ جبني هذا لن يعفيني عن قراري في رغبتي بإنهاء حياتي في الوقت الذي أريد دون أن أنتظر هذا القدر المغفل المستمتع، كما دائمًا، بمعاناتنا. ربما مُبرِر جبني الآن هو الفيلم الذي أعمل عليه حاليًا.

إنّه تحفتي التي سأتركها في هذا العالم البشع وقد أرحل بعده. هذا الفيلم أقوى من الموت.

 

لا أعلم لماذا أكتب هذه الأشياء الآن؛ ربما لأنني أضعف من أن أقول هذه الكلمات لشخص ينظر إلي. إنّه بوح. قد يكون كلامًا فارغًا من أي محتوى ويبقى في الهواء كلامًا لا لون له، وقد يكون وصية مبكرة. إنّ العالم مكان قذر منذ خُلق، وبأملنا “الغبي” وحده نستطيع أن نحيا في شيء من جمال.

ألم يصدعوا رؤوسنا بجملة: نحن محكومون بالأمل؟ نعم إنّه أمل بخلاص لحظي، بخلاص من فقر أو من مرض أو من دكتاتور ما، أو من شر ضرب أحد أبناء البشر إلا أنّ الصورة الكبيرة هي صورة بشعة…. بشعة جدًا.

نحن محكومون بالفقر واللجوء والدكتاتوريات.
نحن محكومون بالخراب والدمار والحروب.
نحن محكومون بانتهازيين وسارقين.
نحن محكومون بتاريخ حقير مبني على أمجاد زائفة صنعها قتلة، والمشكلة أنّنا نراهم أبطالًا وأساطير.
نحن محكومون بآلهة مصطنعة.
نحن محكومون بالألم.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.