محطات من تاريخ الصراع الكُردي ـ التركي (2/3)

الأيام السورية؛ قسم الأخبار

أتاتورك وولادة الجمهورية التركية

بعد إعلان مصطفى كمال أتاتورك ولادة الجمهوريّة التركيّة في 29/10/1923، وضمانه دعم الغرب والقوى العظمى، وتغاضيها عن مذابح الأرمن وحقوق الكُرد، بدأ أتاتورك التنصّل مما جاء في معاهدة لوزان، ووعوده للكُرد. بدأت مرحلة مريرة ومظلمة في حياة كُرد تركيا. وكُردة فعل على “خيانة” اتاتورك لوعوده التي قطعها للكُرد، اندلعت انتفاضة الشيخ سعيد بيران، سنة 1925، وساندها الأرمن والشركس والعرب والأشوريين في مناطق جنوب شرق تركيا.

ومشاركة الأرمن والآشوريين في الانتفاضة، يعني بأنها لم تكن إسلاميّة صرفة، تدعو لعودة دولة الخلافة، كما يرى البعض. وانتهت هذه الانتفاضة بالسحق واعتقال الشيخ سعيد واعدامه مع رفاقه في 30/05/1925. ثم اندلعت انتفاضة جبل آغري، بقيادة الجنرال في الجيش العثماني، إحسان نوري باشا (1893 – 1976) سنة 1926 واستمرّت لغاية 1930. وأيضاً تمّ سحقها. ثمّ أتت انتفاضة الكُرد العلويين في محافظة ديرسم، بقيادة سيد رضا، سنة 1937 – 1938.

أثناء ذلك، أرسى اتاتورك مبادئ الدولة/ الأمّة في تركيا، ارتكازاً على عمليّات الإنكار والصهر والتذويب لكل الأقليّات القوميّة، وفي مقدّمتها الكُرد، ضمن بوتقة القوميّة التركيّة. وجرى إنكار كل شيء له علاقة أو يوحي بوجود الكُرد في تركيا. وتمت تسميتهم بـ “أتراك الجبال”.

وحوربت اللغة والثقافة الكُرديتين، الى درجة تغيير ألوان إشارات المرور؛ الأخضر والأحمر والأصفر (ألوان العلم الكُردي). وتفاقمت سياسات الصهر والقهر والمنع والقمع والتذويب بحقّ الكُرد وتجسد ذلك أكثر في الانقلابات العسكريّة الثلاثة التي شهدتها تركيا (1960، 1971، 1980) حيث ازدادت الدولة الكمالية (الأتاتوركيّة) في تشددها وتطرّفها القومي.

مصطفى كمال اتاتورك(المرسال)

ولادة حزب العمال الكُردستاني

في نهاية السبعينات، وتحديداً 27/11/1978، اجتمعت مجموعة من الشبيبة الكُرديّة، بقيادة عبدالله أوجلان (الطالب في كليّة العلوم السياسيّة وقتئذ) في قرية فيس التابعة لمنطقة “لجه” بمحافظة آمد/ ديار بكر، وأعلنت عن تشكيل حزب العمال الكُردستاني PKK (الأحرف الثلاث الأولى من الاسم الكُردي للحزب). كان شعار الحزب: تشكيل كُردستان المستقلّة الاشتراكيّة الموحّدة. والخطوة الأولى في هذا المسار هو التمهيد لإعلان الثورة والكفاح المسلّح.

عقد العمال الكُردستاني مؤتمره الثاني سنة 1982 في سورية، واتخذ قرار التمهيد للعمل المسلّح. وقام بأوّل عمليّة عسكريّة ضدّ الجيش التركي في منطقة أروه التابعة لمحافظة شرناخ في 15/08/1984. وبحلول 2019، يكون قدّ مرّ على الصراع المسلّح بين تركيا والكُردستاني 35 سنة، لم يستطع كلا الطرفين حسم الحرب لصالحه، رغم تفاوت ميزان القوى لصالح تركيا والدعم الاقليمي والدولي الذي حظيت به من الغرب والناتو.

لا يوجد إحصاء دقيق لعدد ضحايا الصراع المسلّح بين الكُردستاني وتركيا. وكل طرف يورد الارقام حسب تقديراته، وتتراوح بين 60 – 70 ألف شخص. ناهيك عن إحراق الجيش التركي لما يناهز 4500 قرية كُردية وإفراغها من سكّانها.

تورغوت أوزال والإصلاح

مع استلام تورغوت أوزال (1927 – 1993) لرئاسة الجمهوريّة في 09/11/1989، بدأت تلوح في الأفق بوادر إصلاحات في سياسات الدولة تجاه الكُرد. منها: إصدار عفو عن السجناء السياسيين، شمل آلاف الكُرد، بينهم قيادات بارزة في الكُردستاني (مصطفى قره سو، ساكنة جانسيز، كاني يلماز، محمد شنر…)، ثمّ استبدل الحظر الكلّي عن التكلّم باللغة الكُرديّة بحظر جزئي، سنة 1991.

كما أشار أوزال إلى أنه ينحدر من أصول كُرديّة. وبموت أوزال المفاجئ والغامض في 17/04/1993، دخل الصراع الكُردي – التركي نفقاً شديد العنف والدمويّة، شمل كل الموالين للحلّ السلمي بين الساسة والعسكر التركيين.

الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال (الميادين)

مفاوضات قديمة ـ جديدة

أوّل مفاوضات غبر مباشرة بين الكُردستاني وتركيا كانت سنة 1993، عبر وساطة الرئيس العراقي وزعيم الاتحاد الوطني الكُردستاني جلال طالباني، بتكليف من تورغوت أوزال. حيث أعلن أوجلان نهاية آذار 1993 وقفاً لإطلاق النار، كبادرة حسن نيّة وتجاوباً مع مبادرة أوزال.

وصلت المفاوضات الى مرحلة الإعلان عنها للرأي العام. ويشير أوجلان في كتبه التي ألّفها في السجن، أنه كان من المفترض أن يتصل به أوزال هاتفياً يوم 17/04/1993، للاتفاق على موعد الإعلان عن التفاهم المبرم بين الطرفين، ولكن، تفاجأ العالم بخبر (وفاة) أوزال في نفس اليوم!. تلك المفاوضات باءت بالفشل نتيجة ممانعة مراكز القوى القوميّة التقليديّة (الدولة الخفيّة في تركيا) لحلّ القضيّة الكُرديّة سلميّاً.

وبالإضافة الى موقف القوميين الأتراك المتعنّت، نصب الكُردستاني كميناً لجنود أتراك عزّل، كانوا عائدين من إجازاتهم في منطقة بينغول، وقتل 33 جندياً تركياً رمياً بالرصاص. تلك العمليّة العسكريّة، قادها القائد الميداني البازر والسابق في الكُردستاني، شمدين صاكك، (المسجون حالياً في تركيا) اتضح فيما بعد، أنّه كان على علاقة بدوائر الدولة الخفيّة التركيّة، وفق مصادر الكُردستاني.

المفاوضات الثانيّة، غير المباشرة، كانت سنة 1997، حين أرسل رئيس الوزراء التركي، وقتئذ، نجم الدين أربكان (1926 – 2011)، رسائل إلى أوجلان، عبر الحركة الإسلاميّة اللبنانيّة. وانتهت هذه المبادرة، حين أطاح العسكر بأربكان، عبر الانقلاب الأبيض الذي قام به الجيش التركي في نفس العام، وإبعاد أربكان عن الحياة السياسيّة وحظر حزبه بقرارٍ من المحكمة الدستوريّة العليا.

الجولة الثالثة من المفاوضات كانت مباشرة، بدأت بلقاءات أجرتها السلطات التركيّة مع أوجلان، بعد اختطافه من العاصمة الكينيّة نيروبي في 15/02/1999 ومحاكمته وسجنه في جزيرة إيمرالي. وذكر أوجلان أكثر من مرّة أن هذه اللقاءات كانت تتمّ بشكلٍ رسمي، وبعلمٍ وتفويض من حكومة بولند أجاويد (1925 – 2006) وهيئة الأركان التركيّة، وأن هذه المفاوضات انقطعت فجأة. ثمّ طالب أوجلان مراراً بعودتها، أثناء لقاءاته مع محاميه، لإيجاد منفرج سلميّ للقضيّة الكُرديّة.

إقرأ المزيد:

محطات من تاريخ الصراع الكُردي – التركي (1/3)

مصدر الجزيرة نت، الحرة  هوشنك أوسي، موقع الديار  موقع جريد ة الأيام السورية
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.