مجرد جسد أنثوي

الأيام؛ فرات الشامي
أنا عنك ما أخبرتهم
لكنهم… لمحوك تغتسلين في أحداقي «نزار قباني».
تلاحقنا “لعنة الذكورية” حيث نطوف… بل تكاد تفرض وجودها على كلماتنا وأقلامنا … أحاديثنا وأشعارنا… نراقب المرأة ونتخيلها “مجرد جسد” حتى أنها تكاد تكون في بعض بيوتاتنا “متاعاً” مكملاً لبقية “المعروضات والتحف”.
مجرد جسدٍ نأوي إليه في وقتٍ متأخرٍ من الرغبة، نطفئ فيه “شهوة الرجولة” كما يطفئُ أحدنا “عقب سيجارته” في “منفضة”، ثم نغفو على حلمٍ ربما يجمعنا بـ”جسدٍ آخر”.
مشاهد مؤلمة في بيوتنا، وأروقة المحاكم امتلأت بقضايا “الخلافات الزوجية”، وارتفعت معدلات الطلاق، ما ينذرُ بخللٍ أسريٍّ كبير، يقود إلى تصدع الحياة الاجتماعية والأسباب عديدة متشعبة، في معظمها يصب لصالح “المرأة”، والفهم الخاطئ في الغالب لمفهوم “الرجولة” وقراءة الحكم الشرعي في سياسة الأسرة بطرقٍ منحرفة، تؤدي إلى نتائج سلبية.
ثمة صورةٌ رسمتها التقاليد عن العلاقة بين “الرجل وزوجته”، تحتاج إلى إعادة صياغةٍ من جديد تبنى على قواعد واضحة همها الأول بعد بناء الأسرة، بناء “الوطن” حيث لا غنى لهذا الأخير عن نواته، وهذا بطبيعة الحال يحتاج لقراءة في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية كأول خيطٍ للحل، ومعه ندرك مصطلح “القوامة”، مبتعدين عن جاهلية “باب الحارة” و”أيام شامية”، فليس المقصود من علاقة الرجل والمرأة أن يطعهما لتغسل قدميه وتصبح في الليل “جسداً” بلا مشاعر.
الغربة تبدأ في المنزل… حالةٌ من الانفصال غير المعلن، الكل مشغولٌ بنفسه و”الأنا” تسيطر على “البيئة الأسرية” كأساسٍ للتعامل ومحور حياة. وهذا يبدو واضحاً حين نعلم أن البعض اعتاد أن يقرأ «واللّقمة يضعُها الرّجلُ في فم امرأته صدقة» فكان التركيز على مفهوم ولفظةِ ” اللّقمة” وإهمال السِّر في طريقة تقديمها… ترى ماذا لو لم تكن بعدُ “زوجة”… ماذا لو أنها “حبيبة”…؟!
ليس سؤالاً افتراضياً، بل لماذا لا نتعامل وفقاً لمفاهيم المحبة، ما المانع أن يبقى “الحب” ركناً أساسياً في “بيوتنا” لا مجرد حبرٍ على وريقات الشعراء، ودفاتر الذكريات قبل “الزوج”، وكأنه “كلامُ الليل يمحوه النهار”؟
إن طقوس الزواج ينبغي أن تفهم على أنها حالةٌ ذات “قداسةٍ سماوية” أولاً، لا اجتماعاً على مائدة طعامٍ بين “رجلٍ وزوجته” كأنه اجتماع “الخروف والنعجة” في حضرة معلفٍّ يلتفان حوله ليملأ كلٌّ منهما “خواء معدته” ثم ينتهي ويفضّ الجمعُ.
حركةٌ مثل هذه حوّلت “البيت” إلى “حظيرة”، والبشر إلى “حيوانٍ ينطق”، فكان معظم همه لقمة أكله ورغبة “جسده”، ليتحول المكون الأساس للمجتمع إلى حالةٍ “مرفوضة” ضمنياً لكنها سائدة باتت لدى الناس أمراً اعتيادياً، بديلاً عن لغة “الإحساس” و”همسات الليل والصباح” و”رومانسية الحب” جميعها بات في تصنيف “فوضى الرغبة”.
نحتاج إلى حالةٍ تنقلنا من ماديتنا وتقاليدنا الجافة والرواسب البالية إلى منطقةٍ “روحانيةٍ” تسير بنا نحو “ثورة عشقٍ” مستمرة توازي تماماً ربيع العرب الذي نعيشه، إذ لا ينفصل البيت عن السياسة وكلاً من المشهدين متعلقٌ بالآخر.
ما نعانيه في مجتمعاتنا العربية ليس الجوع إلى الطعام وبالتأكيد ليس العطش إلى الماء، بل هو “جوع المشاعر” و “العطش إلى العواطف” فالأحاسيس تبلدت، وإن صدف أن أُخرِجت وصلت “متأخرةً” عن وقتها.
إنه “عين البخل” والأكثر “إيذاءً” لأنه يتعلق بقضية “الاهتمام” وهي حالةٌ متبادلة بين الرجل وزوجه، والأدق أن يقال بين “الحبيبين”.
ولا سبيل للخروج من تصحرنا العاطفي وفقرنا هذا إلا عبر الإرادة الحقيقية ووضعها في التطبيق العملي، ولعل هذه وصفةٌ مجربة تضعها “الأيام” إسهاماً منها، ومعها تدعو للمشاركة في حوار “العشاق” من أجل “بناء أوطاننا” وخلق مجتمعاتٍ سليمة.
وصفةٌ بلا ثمن وغير مكلفة… عناقٌ في غير موعده… همسة “أحبك” في زحمة السوق وحضرة الضيوف علانيةً… جوريةً أو ياسمينةً من بائعٍ متجول، أو حتى أن نقطفها خلسةً ونقدمها برهان “محبة” … ثم كلماتُ الثناء بين الحين والآخر، في حضرة الأهل والأصدقاء… جميعها بلا ثمن… وربما “هديةٌ صغيرة” بلا مناسبة.
إغداق الزوجين على الآخر بالحُبِّ لا ينبغي أن يكون “لطفاً عابراً” نقدمه أمام “الآخرين” في محفلٍ يجمعنا.
أن تكون كلماتنا “رسائل حب”… مفعمةً بالامتنان.
وكأن صباح الخير تعني “أنا أحبك”.
أو كأن كيف حالك تعبر “عن اشتقت لك”.
نحن نتحمل تبعات المشكلة ونتشارك في المسؤولية عن الخطأ … نجاحنا شراكة كحبنا.
يومها “يرتفع ثمن الحب”… وقتها تتخلص أسِرّة غرف النوم من “برودتها”… ولا نعيش “الغربة”.
أذكر أني فهمت معنى “الحب” يوم سمعت وكررت هذه الآيات فهي بحد ذاتها أركان الأسرة السلمية: ) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.