مثلث الموت التاريخي

خاص بالأيام||  حليم العربي –

هذا الاسم و إن كان جديداً فليس غريباً، لدى سكان المنطقة والمارين عبرها من تجار وسائقي السيارات العامة منها والخاصة، والمركبات الكبيرة والصغيرة ،عرفه أكثرهم منذ عقود وخبره بعضهم بتجارب قاسية ومؤلمة .

طريق حلب اللاذقية والذي يمر بريف محافظة إدلب  من شمال أريحا على طول (70)كم هو من أخطر المواقع في المنطقة  قبل اندلاع الثورة وبعدها .

هذا الطريق المتعمد تحويله، بعيداً عن مخطط الطريق القديم، الذي كان من المفترض أن يمر عبر كورنيش مدينة ادلب،  وتم عمداً هذا التحويل لتهميش المدينة وعزلها، انتقاماً لما فعله أهلها بحافظ الأسد أثناء توجهه إليها بعد استلامه الحكم في عام (1971 )، و بعد الانقلاب الذي قام به بعام واحد،  ليرشّح نفسه لرئاسة الجمهورية، بعد أن أذلّ رقاب العباد قهراً و بطشاً و إرهاباً.

واثناء زيارته لمدن سوريا جاء دور زيارة مدينة إدلب وتوجه لإلقاء خطابه في ساحة السبع بحرات  داخل المدينة في (منطقة القصور), و كانت منصة الخطابة هي سطح المركز الثقافي القديم الذي حولها في عهده إلى شعبة لحزب البعث و ما إن بدأت كلماته عن الحركة التصحيحية  (التي لم تكن إلا تسمية  لانقلابه ضد رفاق دربه أو  سادته و معلميه الذين زجّهم في السجون العسكرية و لم يخرجهم منها إلا إلى المقابر) .
وبينما كلماته  تستخف بوعي الحضور , ونواياهم الطيبة ، انهالت الأحذية و حبات البندورة المحضرة لهذا المهرجان الساخر من كلّ حدب و صوب، حتى أضطرّ إلى قطع خطابه، و نزل محاطاً بمرافقته من على المنصة ذليلاً مهاناً يجر ذيول الخيبة خلفه .


فكانت من ثمرات غضبه على إدلب  تحويل الطريق الدولي السريع منها إلى هذه العقدة تمهيداً لنسيانها وإهمالها  من جميع النواحي.

فتشكلت هذه المنطقة ( ما بين مدينة أريحا إلى بلدة محمبل) عقدة حيوية  رغم وعورتها، لأنها بوابة جبل الزاوية ومدخله الشمالي،  ويمر من خلالها طريق الأستراد الدولي إلى جانب الطريق القديم .

الأستراد  الذي لم تستطع شركة (الخرافي الكويتية)  -رغم امكانياتها الهائلة – من انجازه  وتسليمه كاملا في الفترة المحددة لهم  لكثرة التدخلات والتشبيح الذي عانته هذه الشركة من آل شاليش ومخلوف (أقارب الرئيس الأسد)،  ومحاولتهم دائما ابتزاز الشركة وسرقة المعدات الحديثة والضخمة لاستخدامها في مشاريعهم الخاصة(كما صرح أحمد العمر أحد سائقي الشاحنات التي عملت في هذا الطريق)  فقال: كنا نجبر على العمل ليلا لصالح شبيحة الأسد وإن لم نفعل نهدد بالضغط على الشركة لطردنا نهارا

فنجبر على العمل بتلك المعدات التي أدخلها (الخرافي) على مدار الساعة.

مما أخر انجاز المشروع في الوقت المحدد له .

هذه الأسباب و غيرها من الإعاقات المفتعلة والروتين المتعارف عليه في دوائر ومؤسسات الدولة ، جعلته في تردد دائم دفعته للانسحاب من المشروع .

وعن هذا الأمر،  نشرت صحيفة “الخبر” الاقتصادية الخاصة، أن مدير المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية الدكتور يوسف حمود، وجه انذاراً عبر كتابه جاء فيه ” نظراً لتوقفكم عن العمل في مشروع الطريق السريع اللاذقية أريحا وإخلالكم بالالتزامات التعاقدية، قررت اللجنة العليا للمشاريع الممولة بقروض في المؤسسة العامة،  توجه إنذار لكم بسحب الأعمال، وإعطائكم مهلة أسبوعين اعتباراً من 2010/5/1  لمعاودة العمل استناداً لأحكام المادة 63 من الشروط العامة للعقد”.
وأضاف حمود في كتابه أنه ” و في حال عدم معاودة شركة محمد عبد المحسن الخرافي وأولاده للعمل خلال هذه المهلة، سيتم اتخاذ الاجراءات اللازمة لسحب الأعمال من الشركة..”

وكان المشروع بمواصفات عالمية .

يبلغ طول الاستراد  (98) كم بين أريحا واللاذقية ،و مؤلف من حارتي مرور لكل اتجاه، وتضاف حارة إضافية للشاحنات في الأقسام التي يزيد فيها الميل الطولي للطريق عن 6%, وطرق تخديم جانبية خارج المسار الرئيسي للطريق بطول /70/ كم مرتبطة بالمعابر لتخديم القرى والأراضي الزراعية, وحاجز أمان وسطي بيتوني مانع للوهج بارتفاع 1.6م, وحاجز أمان معدني طرفي على طول الطريق, وسور شبكي بارتفاع 2م يحيط بالطريق من الطرفين لمنع العبور والتقاطعات السطحية غير النظامية, وعدد الجسور عليه 80 جسراً مختلف الفتحات .

هذا المثلث الواقع بين مدينة أريحا وبلدة محمبل مروراً بقرية أورم الجوز، والممتد باتجاه قرية معترم وقرية بسنقول القريبة امتدادا لحرش بسنقول المتاخم للطريق والمطل على سهل الروج ، الذي كان  ومازال وكرا للصوص وقطاع الطرق والمجرمين .

منذ أن شقه المحتل الفرنسي قديما ليخدم قواته وطرق امداده في المنطقة ، وتبع المهندسون  طريق الدواب الترابي ، وقاموا بتعبيده على نطاق ضيق ومتعرج ليمتصوا الغضب الشعبي المتمسك بكل شبر من أرضه،  وهو مستعد للتضحية بأحد أبناءه للحفاظ على حفنة من التراب .

كانت ولا تزال هذه المسافة التي لا تزيد عن الـــ/١٥/ كم أخطر المناطق على طول الطريق بين محافظة حلب ومحافظة اللاذقية، وعند نقطة القياسات بالتحديد، فرغم وقوع هذه البؤرة وتوسطها لجبلين ثوريين احتضنا  أعظم  رموز الثورة السورية :
الأول: جبل الزاوية واسطورة الثوار ومنبع الرجولة ممول المناطق المحررة بالدماء الجديدة  والمستعد لتحرير كل البلاد إن حصل على السلاح ، وأهم رموزه المقدم حسين هرموش ابن قرية ابلين ومؤسس الجيش الحر والمتبني لجميع الكمائن التي حدثت على هذا الطريق منذ اندلاع الثورة، حتى تاريخ اعتقاله لدى النظام، إثر خيانة دولية كبيرة لم تكشف بعد خيوطها .

والجبل الثاني: هو الجبل الوسطاني ورمزه المقدم الشهيد أحمد العلي -أبو أيهم – ابن قرية البشيرية  من أوائل الضباط المنشقين عن الجيش السوري، والمؤسسين للواء أحرار الجبل الوسطاني الذي استشهد في جبل التركمان الساحلي العام الماضي .

فتتوسط هذه العقدة قرية أورم الجوز بلدة تتبع اداريا لمنطقة أريحا من محافظة إدلب ، تقع غرب أريحا بـ \٥\ كم  على مشارف  جبل الزاوية ومنها مدخله الشمالي إلى الجنوب من مدينة ادلب وعلى بعد /17/كم منها.

تقع قرية “أورم الجوز” التي تتربع على هضبة ترتفع عن القرى المجاورة ، وتحيط بها أشجار المحلب و  الزيتون والكرز والجوز على مساحات واسعة.

وتحيطها الجبال من كافة جوانبها ، وتشقها مجموعة من الأودية “كوادي الجوز” والواطاه  و تحيط بها بعض المواقع الأثرية من كافة جوانبها ، حيث نشط خلال الثورة الكثير من تجار الآثار بأجهزتهم الحديثة وذهبوا للتنقيب والبحث واستخراج الثمين من مدافنها ، وبيعها في السوق السوداء .

و استطاعت فصائل المعارضة والجيش الحر، اكتشاف تأثيرها وأهميتها العسكرية منذ  بداية الثورة ، فنصبوا كميناً محكماً لقوات النظام أثناء توجهها من معسكر الطلائع إثر تحويله إلى سكنة عسكرية  إلى جسر الشغور للتنكيل بأهلها
وكان أول كمين يسقط فيه عشرات عناصر الأمن والشبيحة من مرتبات فرع الدوريات في دمشق وذلك في السبت الرابع من حزيران من عام(2011)
وتوالت بعدها  الكمائن وصيد الدوريات في هذه المنطقة  ساعد بذلك  تلك التضاريس الوعرة التي تتوفر فيها لتؤمن الكر والفر للعناصر المباغتة

لكن كان لهذه المنطقة الكثير من الآثار السلبية أيضاً إذ كانت الملجأ الآمن والملاذ للكثير من اللصوص وقطاع الطرق الذين مارسوا جرائمهم مع فقدان الأمن واستطاعوا الفرار واخفاء القتلى في الآبار الأثرية القريبة من المنطقة لأشهر طويلة بعد سلبهم أمتعتهم والتفاوض على المواد التجارية المشحونة  وقد حاولت الكثير من الفصائل محاربة هذه الظاهرة وملاحقة أولئك اللصوص كالرائد حسن عبد العال أبن بلدة محمبل لكن الشبيحة نصبت له كميناً على طريق  بلدتي (محمبل_ اللج) وتم تصفيته وسحب جسده بمدرعة إلى ساحة الطاحون أمام عيون أهله هذا الأمر الذي جعل عائلته تنتفض وتوجه للنظام العديد من الضربات القاسية

صورة لأورم الجوز بريف ادلب (خاص بالأيام)

كانت هذه المنطقة ولا تزال من أخطر الأمكنة  حتى بعد تحرير محافظة إدلب من الوجود الأسدي،  ورغم أن فصائل المعارضة السورية المنضوية تحت غرفة عمليات “جيش الفتح” أحكمت  سيطرتها على هذا الطريق الدولي الواصل بين محافظة حلب شمالاً ومحافظة اللاذقية غرباً مرورا بأريحا وجسر الشغور ، وذلك خلال معارك خاضتها  هناك قبل 29‏/05‏/2015

فهذه السيطرة على الطريق بشكل كامل ، سيسهل وصول الإمدادات من شمال حلب  باتجاه الساحل السوري، ونقل المعركة بشكل سريع إلى جبل التركمان وجبل الأكراد بريف اللاذقية الشمالي” أو ريف حلب الجنوبي ويلعب هذا الطريق دورا استراتيجيا بتحقيق عنصر المباغتة وفتح معارك جديدة في حماة أو اللاذقية أو حلب نظرا لسكن عائلات المقاتلين المهجرين من أكثر المدن السورية إليها.
فنشط بعدها وكثر مؤخرا زرع العبوات الناسفة ليلا على هذا الطريق، حيث يكمن المجرم بالقرب منها لتفجيرها عند مرور الأرتال العسكرية  الثورية وسيارات الذخيرة والامداد

 

 

فاستطاعت هنا تصفية الكثير من القادة والعناصر اثناء توجههم أو عودتهم من الرباط في الساحل أو حلب
قتل في هذه المنطقة الكثير من القادة ولم يعرف الجاني حتى اللحظة،  حيث يقوم المجرمون وأعداء الثورة بزرع العبوات على طرف الطريق ، ويكمن  في أحد الأحراش القريبة حتى تمر إحدى السيارات العسكرية ، فيقوم بنسفها والانسحاب من خلال الطرق الوعرة دون أن يعرف المنفذ
بينما تتجه أصابع الاتهام (لجيش الثوار) التي اكتشف مؤخرا استقطابها للكثير من العناصر حديثة السن عن طريق اغرائها بالمال والسلاح .

يصر أخرون على اتهام بقايا الجيش الحر وحركة حزم، التي طردت من هذه المنطقة قبل تحريرها بعام إثر إخراج جمال معروف من معقله وقريته دير سنبل وتوجهه إلى تركيا مع المقربين له وعائلته.

يوجه الاتهام أخرون إلى شبيحة النظام التي عفت عنها محاكم الثورة،  وأخلت سبيلها فانتسب جزء كبير منهم لفصائل اسلامية لتستتر بها، وتنفذ أجندت النظام على أمل عودته فيقتلون ما عجز عن قتلهم في المعارك  والقصف العشوائي ، ليؤخر تقدم جحافل الثوار إلى سهل الغاب بريف حماه لصالح المعارضة، والتقدم باتجاه معاقل النظام في بلدتي القرقور وجورين، إلى جانب تمكين فصائل المعارضة من قصف القرى الموالية للنظام في الساحل بما فيها القرداحة معقل شبيحة الأسد ، بعد السيطرة على قرية  سلمى الاستراتيجية والجبال المحيطة بها .

بينما يرى البعض أن العمليات والاغتيالات هذه ينفذها لصوص وقطاع طرق لا أكثر أولئك الذين تضرروا بالمحاكم الثورية فانتقموا من الجميع دون استثناء.

هذا ولا تزال الفصائل الثورية تقف عاجزة أمام تلك الجرائم ، والاغتيالات لقادتها وكوادرها المدنية والعسكرية .

وأخرها وجود جثتين مرميتين في حرش بسنقول أمس بعد تفجير عربة تقل عناصر من جند الأقصى وهي عائدة من الرباط في الساحل .

لتبقى هذه البؤرة مصدر قلق لأهل المنطقة والعابرين خلالها وتضع فصائل المعارضة أمام اختبار امني حقيقي في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الثورة.

 

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.