مثالية المتعة العشوائية وعبودية كاريزما العقل

الأيام السورية؛ علي الأعرج

الشخص الذي يمتلك روح دعابة أصيلة وليست مكتسبة، سيكون قادراً على التمييز بين ما هو ساخر وما هو منطقي. طبعاً باعتبار السخرية هي عنصر يحتوي في طياته المبالغة وقدرة أعلى من التخيّل.

في حديث مع أحد الأشخاص قلت له يوماً إنّ: “كل ما يؤكل نيئاً أتعامل معه على أنه فاكهة”، وبطبيعة الحال هذا الأمرلا يؤثرعلى حقيقة الأشياء، لكني استمتع بالعشوائيات الفكرية، وأحب ممارسة الاستهتار التوصيفي.

عندما أخبرته أني أتعامل مع الفجل كفواكه ثارت ثائرته، وطبعاً أقام عليّ محاضرة عن علمية الأشياء؛ لم يستطع استيعاب الأمر إلا ضمن معياره الثقافي الجامد.

فمثلاً كيف يمكن أن تقنع عقلاً جامداً وتقول له شيئاً من قبيل إنّ: “المرأة تلد طفلاً من أذنها”؛ لا يمكن لمثقف يمتلك رؤى ببعد واحد، أن يستوعب هذا التشبيه كمبالغة أدبية أو خيال درامي مريض وممتع، وربما يجيبك ممتعضاً بأنّ هذا الموضوع لا يمكن حصوله علمياً.

واحدة من مشكلات ممارسي الثقافة، هي عدم قدرتهم على جعل الواضح غامضاً، والمنطقي ساخراً، والعقلاني تهكمياً، ولو حتى على سبيل التسلية؛ وبتصوري هذه إحدى الأسباب المهمة بجانب السياسة والقمع والديكتاتوريات والأديان، التي تساهم في بقاء المجتمعات التي يدعون لتحررها في حيز من الجهل، إنهم دون أن يدركوا يقومون بدور الطابور الخامس.

أحياناً المسائل الشائكة والمهمة يجب التعامل معها بعين السخرية والتهكم وعدم الاهتمام الشديد، وقد يبدو هذا القول محملاً باللامسوؤلية اتجاه القضايا الكبرى، لكنه بالمقابل يكشف العقلية، وبالأخص الثقافية، عن مدى جمودها المنطقي، وإثبات قلقها الدائم من أي شيء، وعدم قدرتها على التحرر الفعلي من عبودية كاريزما العقل.

بطبيعة الحال، نشوء الشخص بتكرار فكرة انتمائه الثقافي دائماً، هي محاولة دؤوبة لإثبات الذات بطريقة مغايرة عن السائد، لكنها بالمقابل تصنّم الشخص، وتصبح كل متطلبات الطرح الإنساني لديه ناتجة عن هذه الهالة الثقافية التي يحيط ذاته بها.

عملية التعامل مع أي موضوع من وجهة نظر واحدة وتحليلية بشكل دائم، تضع المثقف في نفس المصاف الذي يحتله الديكتاتوريون، إنها قولبة البشر ضمن معايير خاصة بهم، وأي اعتراض تهكمي أو غير خاضع للمنطق من خلال ذلك السلوك المستهتر والممتع في كثير من الأحيان، على الرؤى التي يعتبرونها منطقية، يتم التعامل اتجاهها بقمع تحت حجة التفكير الحر.

يمتلك المثقف مفهوما خاطئا عن التفكير الحر، وبالتالي مفهوماً خاطئاً عن الحياة، فالتفكير الحر لا يعني أبداً أن يكون المرء واضحاً ومنطقياً، بل يعني أن يمارس ما شاء بما في ذلك الرفض المستهتر والتهكمي لأي فكرة قد تكون خاطئة أو صحيحة، لأنّ طبيعة الحياة قائمة على هذه المعطيات من المتعة العشوائية تجاه المواضيع.

الثقافة تجربة حيّة وممارسة لتراكم الخبرات، وممارسة الاستهتار الممتع في جوهره تجربة مثالية، لأنها توضح الكثير من الأمور الخافية في الحياة، إنها تشبه تماماً الفارق بين أن تكون مثقفاً لا يمتلك أي قدرة سوى الإنتاج العقلي المجرد، وبين أن تكون مثقفاً وتملك القدرة على صناعة أي شيء في الحياة.

عندما يكون إنتاج الثقافة مجرداً تصبح الحياة معطى واحد، لكن عندما تكون الثقافة عمليّة على الأرض تكون الحياة أنماط متشعبة ومزيجا من العقلانية والاستهتار؛ وطبعاً الاستهتار هو اللفظ المهذب للحماقة.

شخصياً لا أملك أي مشكلة بالتحامق، ربما بسبب أني أرى الحياة بطريقة أبعد من يتم أخذها على محمل الجد، وربما لأنها تحررني أحياناً من عبودية كاريزما العقل التي توهم صاحبها في كثير من الأحيان بالتحرر والانطلاق.

في النهاية بناء كثير من الأشياء لا تكون بالوصم الثقافي للذات، إنما بانتمائنا لفكرة أن الإنسان جزء من الحياة بكل ما تحمله هذه الحياة من عشوائية وحماقة، إنها شيء مثالي جداً لا يستطيع رؤيتها سوى من هو جزء من الحياة فعلياً.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.