متى نشأت عند السوري الطبيعة الرافضة للآخر وأفكاره

قلائل هم أولئكَ الذين يناقشون الأفكار المطروحة بمنطقيّة الواقع والإمكانيّات المتاحة، دائماً ما تكون ردود أفعالنا انفعاليّة وأبعد ما تكون عن العقلانيّة والتفّكر، اللذان نحن بأمسّ الحاجة لهما.

الأيام السورية؛ فاديا حج فاضل

كانت الديموقراطيّة من أبرز مطالب الثورة، فما الذي جعلها أبعد الأشكال المطروحة عن الواقع السوريّ؟

في بداية الثورة، الحلم السوريّ، كانت الديموقراطيّة جزءاً هامّاً ومطلباً أساسيّاً من مطالب الثورة، وكانت الشعارات والعبارات تركّز وتحضّ على أهمّيّة الديموقراطيّة لمكانتها الأساسيّة في دول العالم المتقدّم، ولكن هل كنّا بالفعل غير مستعدّين لنتحمّل مسؤوليّة ما صبونا إليه من طموحات؟

التخوين والشتائم

خلال الأعوام الفائتة، منذ بداية انطلاق الثورة ووصولاً ليومنا هذا نرى مفهوم الديموقراطيّة الحقيقيّ غائباً عن أغلب المحافل الثوريّة، كأبسط الأمثلة، إذا أراد أحد الثوّار التكلّم عن رأي معين له بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعيّ أو ضمن جلسة ثوريّة، نرى ردوداً وتعليقات أبعد ما تكون عن روح الديموقراطيّة، فتارةً ترى من ينعته بقصور الرؤية، وكأنّما هو المُبصِر الوحيد لما يدور من أحداث، وآخر ينهال عليه بوابلٍ من الشتائم مخوّناً إيّاه متناسياً أنّهما في صفٍ واحد لمواجهة الظالم وفي خندقٍ واحد من حبّهم وغيرتهم على الوطن.

قلائل هم أولئكَ الذين يناقشون الأفكار المطروحة بمنطقيّة الواقع والإمكانيّات المتاحة، دائماً ما تكون ردود أفعالنا انفعاليّة وأبعد ما تكون عن العقلانيّة والتفّكر، اللذان نحن بأمسّ الحاجة لهما.

هذا المرض المستشري فينا والذي تجذّر في تكويننا لعقود سيحول دون قدرتنا على تجسيد الديموقراطيّة بأبسط صورها، فمن الطبيعيّ أن لا نكون قادرين من الوصول إلى ديموقراطيّة وطن بأكمله!..

متى نشأت هذه الطبيعة الرافضة للآخر وأفكاره؟

ربّما كانت أربعة عقودٍ من الظلم والقمع والتخلّف كفيلة تماماً لتصنع بنا ما صنعته من تشويه للنفس البشريّة، فقد كانت مساحات التفكير المتاحة لنا شبه معدومة، وإمكانيّة إثبات وجودنا وأنفسنا تندرج تحت خانة المستحيل، فمن يُفكّر أو يتجرّأ على الخوض في معارضة الأفكار المطروحة ستكون عاقبته وخيمة بلا شكّ.

من هنا بدأت تتأصّل فينا طباع الانصياع وراء كلّ ما هو عام ومطروح، فدائماً هناك فكر أوحديّ يطغى في كلّ مجال، وتباعاً مع مرور السنين أصبح هذا الوضع الطبيعيّ لكافّة مجالات الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة، فأصبحت بعض الآراء السارية وكأنّها النتيجة الحتميّة للتفكير بالمواضيع المتعلّقة بها، ومن يجرؤ على معارضة الأفكار الاجتماعيّة سيكون مصيره النبذ اجتماعيّاً بلا شكّ، ومن يجرؤ أن يقول لا للفساد المنتشر سيدفع حياته ثمناً أيضاً! حتّى وصلنا لمرحلة “من تساوره هكذا أفكار معارضة لكلّ ما هو مطروح يراها شبحاً”، ويبتعد عمّن ينادي بها خشية أن يصيبه ما قد يصيبه.

هكذا درّبونا على نبذ الآخر وعدم الاعتراف بوجوده، والتمسّك بآرائنا التي تبنّيناها – غالباً – رغماً عن إرادتنا، فتوقّفت عقولنا أيضاً وحلّ مكانها المنطق المطلق العامّ السائد.

بالتأكيد، من انطلق بالثورة تخلّص من بعض هذا، ولكنّه قد تربّى عليه للأسف، فلم نستطع أن نثور على أنفسنا لنغيّر ما ألمّ بها من تشوّهات تكوينيّة.

صورة تعبيرية(فيسبوك)

ضعف شخصيّاتنا وثقتنا بأنفسنا

ترى الواحد منّا يدافع عن فكرته أشرس الدفاع، وكأنّه يدافع عن وجوده وإذا خسر معركة إثبات صحّة ما يقول سوف ينتهي ويتلاشى وجوده، هذا كلّه إن دلَّ على شيء فهو يدلُّ حتماً على ضعف شخصيّاتنا وضعف ثقتنا بأنفسنا، فلطالما شعرنا أنَّ وجود الآخر سيُلغي وجودنا حتماً، فليسَ هنالك متّسع لأكثر من رأي واحد، إمّا أنا أو هو، لا فسحة لتتّسع لنا نحن الاثنين معاً.

هذا ما يدفع الفرد – أو الجماعة – منّا لتسخيف وتشويه صورة الآخر، حتّى لا يكاد يبرز أحد بفكرة إلّا وتجد الناس تعمل جاهدة على الانتقاص من الفكرة وصاحبها، دونَ دراسة موضوعيّة وحقيقيّة لها، هكذا تعلّمنا لعقودٍ طويلة وهذا ما جُبِلَت أنفسنا عليه، لا أحد يطوّر من نفسه ويعمل على ذاته ليرتقي بها ويصبح أفضل.

هذه الطريق كانت غير مطروحة لعقود، والطريق الوحيد المتاح أن نُبخِس من الآخرين ليعلو من شأننا، بقينا على هذا النسَق حتّى وصلنا لمرحلة ليس فقط نكون فيها غير قادرين على الاعتراف بالرأي الآخر وإمكانيّة صحته، بل نحن غير قادرين على الاعتراف بوجود الآخر.

قد يبدو الخوض في هذه الطريق الوعرة صعباً، ولكنّه غير مستحيل بالطبع، إنّما علينا بدايةً الاعتراف بأخطائنا لنستطيع إيجاد الحلول الواقعيّة لها، فكم من أممّ اكتسبت الديموقراطيّة بنشر الوعي والعمل الحثيث عليها!؟

هذا بالإضافة لقلّة وعي أبناء مجتمعنا الذين تلقّفوا أفكاراً تعمل على تشويه الديموقراطيّة وتدعو لنبذها، (ولربّما هذا بحثٌ آخر يطول الكلام فيه).

هذا المرض المستشري فينا والذي تجذّر في تكويننا لعقود سيحول دون قدرتنا على تجسيد الديموقراطيّة بأبسط صورها، فمن الطبيعيّ أن لا نكون قادرين من الوصول إلى ديموقراطيّة وطن بأكمله!..

التعقّل والتخلّي عن التعنّت وردود الأفعال

ربّما بداية الطريق هي التخلّي عن تعنّتنا وردود أفعالنا الانفعاليّة والعاطفيّة ليحلّ مكانها التعقّل مع مزيد من الثقة بالنفس وبإمكانيّاتها، ومزيد من الثقة بإمكانيّة الحياة مع الآخر ونواياه تجاه وطنه..

ربّما تقاسم الأعمال وعدم ترؤس أشخاص معينيّن على العامّة وإجبار العامّة على الانصياع لآرائهم “الواحديّة” كفيلة بخلق حدّ أدنى على الأقلّ من أشخاص يمتلكون شخصيّات لديها ثقة بأنفسها بالإضافة إلى عدم قيام حدّ السيف لأيّ فكرة جديدة مخالفة للرتابة المطروحة.

علينا نشر مفاهيم الديموقراطيّة الحقيقيّة قولاً بين عامّة الناس، والعمل على تطبيقها فعلاً على أرض الواقع ابتداءً من أصغر الأمور لنتمكّن من الوصول لأكبرها.

قد يبدو الخوض في هذه الطريق الوعرة صعباً، ولكنّه غير مستحيل بالطبع، إنّما علينا بدايةً الاعتراف بأخطائنا لنستطيع إيجاد الحلول الواقعيّة لها، فكم من أممّ اكتسبت الديموقراطيّة بنشر الوعي والعمل الحثيث عليها!؟

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.