مبدأ حماية المصادر

عندما يذهب الصحفيون إلى الحرب

عندما تطلب المحاكم والسلطات العامة من الصحفيين أن يسلّموها موادّ من شأنها أن تكشف مصدر المعلومات، فإن المراسل الأخلاقي سوف يعترض غريزياً على ذلك. وإن كان لا بد من كشف المصدر، يتحتّم على الصحفيين أن يناقشوا الموضوع مع المصدر أولاً، بل وأن يحموا المصدر حتى وإن كان ذلك على حسابهم.

آيدان وايت*

ترجمة ميثاق شرف للإعلاميين السوريين

 

يعتبر مبدأ حماية المصادر، من المبادئ الأساسية بالنسبة للصحفيين، فإنه يغدو أكثر أهمية من أي وقتٍ مضى عندما تكون حياة الناس على المحكّ. فالصحفيون لديهم التزام أخلاقي تجاه الناس الذين يكتبون عنهم. إذا لا يجب عليهم أن يكشفوا هوية مصادرهم إذا كان ذلك يعرّض الأشخاص المعنيين للخطر. فالناس سيحجمون عن إخبار الصحفيين بالأخبار المهمة إذا داخلتهم الخشية أن الصحفيين سيكشفون هويتهم.

عندما تطلب المحاكم والسلطات العامة من الصحفيين أن يسلّموها موادّ من شأنها أن تكشف مصدر المعلومات، فإن المراسل الأخلاقي سوف يعترض غريزياً على ذلك. وإن كان لا بد من كشف المصدر، يتحتّم على الصحفيين أن يناقشوا الموضوع مع المصدر أولاً، بل وأن يحموا المصدر حتى وإن كان ذلك على حسابهم.

ولكن في أوقات الحروب، عندما يكون الصحفيون أنفسهم شهوداً على أعمالٍ وحشية تفوق الوصف، يصبح هذا المبدأ تحت ضغطٍ شديد. فمعظم الصحفيين يجدون من المستحيل أن يغضوا النظر على أهوال الحرب، وهناك مناسباتٌ عندما يجد الصحفيون ضمائرهم تجبرهم على التعاون مع السلطات.

على سبيل المثال، بضع الصحفيين ممن شهدوا حرب البوسنة في التسعينيات، مثل إدفوليامي من الغارديان، أدلوا بشهادتهم في محكمة الجنايات الدولية التي نظرت في جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة، وساعدوا في إدانة بعض القادة الذين ارتكبوا أعمالاً وحشية وجرائم حرب خلال النزاع.

على الرغم من أن بعض الصحفيين حذّروا فوليامي والآخرين ممن شهدوا معه أنهم يأتون ببدعةٍ خطيرة، إلا أن فوليامي ومن معه لم يكترثوا لذلك، بل دافعوا عن موقفهم بالقول؛ إنَّ جلب مجرمي الحرب إلى العدالة هي قضية يلزم على الصحفيين – مثل كل المواطنين الآخرين – واجب المساعدة فيها من أجل الدفاع عن القيم المدنية التي لولاها لن يكون بالإمكان قيام ديمقراطية وصحافة حرة في المقام الأول.

لكن هناك صحفيون آخرون يعارضون هذا الرأي. من الأمثلة الجيدة التي تحضر هنا الصحفي جوناثان راندال من الواشنطن بوست الذي رفض علناً المثول أمام محكمة الجنايات الدولية للإدلاء بشهادته عام 2002. وقد قاوم راندال أمر المحكمة بالحضور بمساعدة جريدته وكسب القضية. وقد ساعدت قضية راندال، التي دعمتها مجموعات الصحافة الحرة حول العالم، على تخليق حماية قانونية محدودة للمراسلين الحربيين في وجه احتمال إجبارهم على الإدلاء بشهادتهم.

إنّ حالاتٍ كهذه لابد من أن تسهم في وضع خطوط عريضة وقواعد داخلية من شأنها أن تساعد الصحفيين في حماية مصادرهم. وقد يستفيد الصحفيون من أحد البنود في عقودهم مع مشغليهم والتي تنصّ صراحةً على واجباتهم والتزاماتهم في هذه النقطة.

لكن الضمانات المكتوبة في العقود لن تحلّ المعضلات الأخلاقية التي تلقي بظلالها في عمل الصحفي. فأحياناً وفي خضمّ القسوة والظلم يُجبَر الصحفيون على الاختيار فيما إذا كانوا يريدون أن يتدخلوا أم لا لمساعدة ضحايا العنف. وعليهم إذ ذاك الاختيار بحذر، لأنه حتى لو كانت لديهم النوايا الحسنة، فإن دور الصحفيين قد لا يكون مفيداً للدرجة التي يظنوها.

هناك واقعة معبّرة وردت في كتاب “التنافس على السبق الصحفي”، وهو كتابٌ ممتاز يحكي عن التغطية الإخبارية لوقائع حركة النضال من أجل الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية. تخص تلك الواقعة الصحفي فيليب سكولك، وهو مصوّر مستقل متميز كان قد وضع كميرته جانباً في إحدى المناسبات، واندفع لمساعدة متظاهرة شابة كانت تتعرض للضرب من قبل الشرطة. بعد تلك الحادثة قام د. مارتن لوثر كينغ بتوجيه الملامة له موضحاً أن دوره كمصوّر أثمن بكثير من دوره كمشارك.

إنّ التأنيب الذي تعرض له سكولك لهو عبرة للصحفيين كي يتذكروا دورهم الأساسي في تسجيل الأحداث، وفضح الممارسات الخاطئة، ونشر الحقائق والمعلومات. إنهم ليسوا طرفاً في النزاع، وعليهم التفكر ملياً قبل أن يجدوا أنفسهم يبتعدون عن القيام بعملهم بمهنية بدافع التعاطف مع معاناة الآخرين أو نداء الواجب الوطني.

أحياناً؛ تكون أيسر السبل في إبقاء الصحفيين في مأمن، هي أن ينضمّ أفراد الطواقم الإعلامية في كل أطراف النزاع إلى بعضهم البعض. الصحفيون مشهورون بفردانيتهم في مقارباتهم، لكن التكافل على المستوى المهني من شأنه أن يقلل من مخاطر العمل الصحفي في الحرب.

هناك نزاع واحد فقط يحضرنا في العصور الحديثة؛ حيث تمت حماية الصحفيين من القتل على نحوٍ جيد، على الرغم من أنهم كانوا غالباً عرضةً للخطر. فقد استمرت مشكلة شمال إيرلندا لأكثر من ثلاثين سنة، وتجلّت على شكل ما اصطلح على تسميته “اضطرابات” شاركت فيها جماعات إرهابية في صراع سياسي وديني حصد أرواح أكثر من ثلاثة آلاف شخص. لم يُقتل في النزاع سوى صحفي واحد، وهو مارتن أوهاغان، مراسل صندي وورلد، الذي سقط بنيران جماعات مسلحة موالية في أيلول (سبتمبر) عام 2011. أحد أسباب النجاح في حماية الصحفيين في أثناء ذلك النزاع هو الدور الذي لعبه اتحاد الصحفيين الوطني، وهو اتحاد يمثل الصحفيين في بريطانيا،` وإيرلندا سواءً بسواء.

“لأكثر من ثلاثين سنة كانت هناك قاعدة غير مكتوبة في شمال إيرلندا تحظر إطلاق النار على الصحفيين،” يقول مايكل فولي، وهو مراسل صحفي سابق في صحيفة آيريش تايمز يعمل الآن محاضراً في الصحافة.

“الصحفيون في شمال إيرلندا كانوا دائماً أعضاء في اتحاد ساعد على تضامنهم ووفّر جدار حماية ضد الانقسام الطائفي بين الصحفيين بغض النظر عن الموقف التحريري لجرائدهم،” أفاد فولي، مضيفاً، “وقفوا سويةً، مؤيدين وقوميين، ضد الرقابة. حملوا نفس البطاقات الصحفية (…) وحتى عندما عملوا لصالح جرائد طائفية جداً، فقد نجح الصحفيون في النأي بأنفسهم بصفتهم المهنية مما سمح للصحافة حينها أن تظهر بمظهر الشر الذي لابد منه، أو الوصلة التي لابد من الثقة بها.

لقد أكّد الصحفيون في إيرلندا، والمملكة المتحدة استقلالهم عن الحكومات التي تنتظر أحياناً من وسائل الإعلام أن تعمل كأبواق دعائية للدولة. وعندما منعت حكومة المملكة المتحدة صحفيي الراديو والتلفزيون من بث أصوات قادة حزب “شين فين” وبعض النشطاء السياسيين بين عامي 1988 و 1994، كانت هناك احتجاجات عديدة نظمها اتحاد الصحفيين للاعتراض على قرار المنع. وهكذا رُفع الحظر تدريجياً بعد أن أعلنت المجموعة البرلمانية القومية ” آي آر آي  ” وقف إطلاق النار.

 

(*) آيدان وايت

المدير السابق لشبكة الصحافة الأخلاقية EJN. عمل كصحفي بالعديد من الصحف البريطانية، بما في ذلك Birmingham Evening Mail و The Financial Times و The Guardian، قبل أن يتولى منصب الأمين العام للاتحاد الدولي للصحفيين من سنة 1987 إلى سنة 2011. ثم أسس في عام 2012 شبكة الصحافة الأخلاقية. وقد كتب على نطاق واسع عن قضايا حقوق الإنسان وأخلاقيات الصحافة.

تم النشر بالتنسيق مع موقع ميثاق “شرف” للإعلامين السوريين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.