مبادرة “الحزام والطريق”.. هل تحاول الصين إحياء طريق الحرير؟

تحاول الصين إعادة مشروع طريق الحرير للحياة بعد مرور 600 سنة على استخدام الطريق بعد اكتشاف طريق “رأس الرجاء الصالح” وقناة السويس وكثير من الطرق البحرية الأخرى التي أبعدت كثير من التجار عن طريق الحرير.

الأيام السورية؛ جميل عبد الرزاق

تقوم مبادرة “الحزام والطريق” أو” النهج التنموي”، التي أطلقتها الصين عام 2013، على فكرة إحياء “طريق الحرير” التجاري القديم في القرن التاسع عشر، الذي ربط الصين بالعالم، وتهدف من خلاله، إلى توسيع التجارة العالمية من خلال إنشاء شبكات من الطرق والموانئ والمرافق الأخرى عبر بلدان عديدة في آسيا وإفريقيا وأوروبا، من أجل تعزيز الترابط والاعتماد المتبادل في ظل التغيرات الهائلة التي يشهدها العالم على مستوى الاقتصاد والتوازنات الجيوسياسية.

طريقا المبادرة

تنقسم مبادرة “الحزام والطريق” إلى طريقين:

1/ الطريق البحري ويبدأ من فوجو فى الصين ويمر عبر فيتنام وأندونسيا وبنجلادش والهند وسيريلانكا وجزر المالديف وشرق أفريقيا على طول الساحل الأفريقي، متجها إلى البحر الأحمر مارا عبر قناة السويس إلى البحر المتوسط نحو أوروبا، حتى يصل إلى الساحل الصيني.

2/ الطريق البري، والذى يضمن 6 ممرات برية، هي: “الجسر البرى الأوراسي الجديد الذى يمتد من غربي الصين إلى روسيا الغربية، ممر (الصين- منغوليا- روسيا) ويمتد من شمال الصين إلى شرق روسيا، ممر (الصين-آسيا الوسطى-آسيا الغربية) يمتد من غرب الصين إلى تركيا، ممر (الصين- شبه جزيرة الهند) ويمتد من جنوب الصين إلى سنغافورة، ممر (الصين- باكستان)، ويمتد من جنوب غرب الصين إلى باكستان، ممر (بنجلاديش-الصين- الهند- ميانمار) ويمتد من جنوب الصين إلى الهند.

الصين تضيف طرقا جديدة

منذ بداية عام 2020، تحول نطاق مبادرة “الحزام والطريق” من استراتيجيته التقليدية المتمثلة في التنمية المدفوعة بالبنية التحتية بشكل أساسي، إلى جهود أكثر “أناقة وحداثة وتوسعية”، فالصين حاليًا، تحاول إعادة مشروع طريق الحرير للحياة بعد مرور 600 سنة على استخدام الطريق بعد اكتشاف طريق “رأس الرجاء الصالح” وقناة السويس وكثير من الطرق البحرية الأخرى التي أبعدت كثير من التجار عن طريق الحرير، إلا أن الرئيس الصيني قرر من خلال مبادرته “حزام واحد طريق واحد” الاقتصادية، عودة المشروع الاقتصادي الذي يعد الأضخم في التاريخ عازمًا على سيطرة الصين على الاقتصاد الدولي، وناشرًا نموذج الدولة الإله المنافس للدولة الحديثة، لكن وباء كورونا أثّر بشكل كبير على انتشار الصين وسمعتها، لكنه أتاح أيضاً لبكين فرصة مثالية لتغيير معايير مبادرة الحزام والطريق وإعادة توجيهها نحو المزيد من الجهود ذات النفع عليها، فقد ألغت عددا من مشاريع مبادرة الحزام والطريق، وركزت، بما يخدم مبادرتها الكبيرة.

طريق الحرير الصحي

إن فكرة الجهود العالمية للصحة العامة بقيادة الصين ليست جديدة؛ تم تقديمها لأول مرة في عام 2017 عندما وقع شي جين بينغ اتفاقية مع منظمة الصحة العالمية (WHO) تلتزم بجعل الصحة محور تركيز رئيسي لمبادرة الحزام والطريق، وبرزت الفكرة في عام 2020 عندما تبرعت الشركات الصينية علناً بمعدات الوقاية الشخصية في جميع أنحاء العالم وحتى اللقاحات، تحت رعاية مبادرة الحزام والطريق، في محاولة لمواجهة الرواية العالمية السائدة عن دورها السلبي في انتشار فيروس كورونا.

وتشمل أوجه طريق الحرير الصحي تزويد البلدان بالإمدادات الطبية والاستشارات، فضلاً عن المساعدات المالية لمنظمة الصحة العالمية حتى تتمكن من مساعدة البلدان النامية في بناء أنظمة صحة عامة أقوى.

طريق الحرير الرقمي (التكنولوجيا)

على الرغم من أن وباء كورونا تسبب في بعض الانتكاسات في جهود الصين لتصبح المزود الرائد لتقنية 5G في العالم (لا سيما توتر المملكة المتحدة بشأن التعاون مع شركة الاتصالات الصينية العملاقة هواوي)، فقد أتاح أيضاً فرصاً غير متوقعة، لكن شركات التكنولوجيا الصينية قدمت خلال عام 2020 العديد من الخدمات الطبية القائمة على الجيل الخامس وساعدت في بناء شبكات 5G في الداخل والخارج لربط العاملين في مجال الرعاية الصحية والمرضى بالخبراء الطبيين.

وهناك المزيد في هذا الصدد؛ في مايو/أيار من عام 2020، وافق المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني على خطة إنفاق مدتها ست سنوات مع 5G كأساس لها. هواوي أيضاً، عملاق الاتصالات الصيني المثير للجدل، مد كابلات ألياف ضوئية بطول ستة آلاف كيلومتر عبر المحيط الأطلسي بين البرازيل والكاميرون، بينما ساعد في انتشار منصات الدفع الرقمية مثل WeChat Pay و Alipay في زيادة لتدويل اليوان الصيني.

طريق الحرير الأخضر

حظي ما يسمى “طريق الحرير الأخضر” الصيني باهتمام أقل نسبياً، لكنه يمثل جهداً يكاد يكون من المؤكد أنه سيزداد أهميته في المستقبل. لقد أعطى الوباء بكين الفرصة لإلغاء ليس فقط المشاريع غير القابلة للتطبيق ولكن المشاريع غير الشعبية وغير ذات الصلة اقتصادياً (مثل السدود ومحطات الفحم الملوثة سيئة السمعة) أيضاً.

وتشير التقارير إلى أن نسبة المشاريع الملوثة إلى الخضراء التي تتكفل بها جمهورية الصين الشعبية قد بدأت في الانخفاض. في أواخر عام 2020 على سبيل المثال، أصدرت وزارة البيئة الصينية إطاراً لتصنيف مشاريع مبادرة الحزام والطريق اعتماداً على تأثيرها البيئي، وسيساعد هذا الإطار في الحد من التلوث وتغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي الناجم عن مشاريع البنية التحتية الضخمة المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.

طريق الصين إلى الشرق الأوسط

تسعى الصين من خلال هذا المشروع للوصول إلى أسواق جديدة وتأمين سلاسل التوريد العالمية التي ستساعدها في تحقيق نمو اقتصادي مستدام، ويعتبر الشرق الأوسط من أكثر المناطق أهمية بالنسبة للصين، لأنه يقع على مفترق طرق 3 قارات مهمة، أوروبا وأفريقيا وآسيا. ويُعتقد أن كل هذه القارات مرتبطة بمشروع مبادرة الحزام والطريق الصيني.

وتقع هذه المنطقة أيضا عند تقاطعات طرق النفط التي تكتسي أهمية كبيرة بالنسبة للصين لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، وتمثل دول الشرق الأوسط الأسواق المحتملة للصين من حيث الموارد، وهي أيضا بوابة إلى الأسواق الأخرى في العالم، وتعمل الصين حاليا على زيادة مشاركتها الاقتصادية والإستراتيجية والدبلوماسية مع دول هذه المنطقة، كما أن الشرق الأوسط هو الأقرب إلى القنوات البحرية الإستراتيجية الأربعة: البوسفور والدردنيل وباب المندب ومضيق هرمز، الذي تمر عبره معظم التجارة الصينية.

وحسّنت الصين علاقاتها مع دول الشرق الأوسط بعد تنفيذ مشروع مبادرة الحزام والطريق، لتصبح شريكا رئيسيا للاستيراد والتصدير لدول المنطقة.

وتشير الإستراتيجية التنموية لمبادرة الحزام والطريق إلى أن هذه القوة الاقتصادية الناشئة تطمح إلى اكتساب نفوذ أكبر في الشرق الأوسط، الذي يعد من أكثر المناطق أهمية في العالم، في حين أن سياسة الصين في الشرق الأوسط هي أكثر ميلا نحو منطقة الخليج.

مصدر رويترز، الجزيرة نت نون بوست، بي بي سي اليونسكو
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.