مبادئ الثورة ما بين مطرقة العزلة الدولية وسندان التطرف

مع استمرار زخم الحراك الثوري بمطالبه المشروعة وحال اللامبالاة الدولية، تتصدر الداخل المحرر مشاريع تفتقد لرؤية استراتيجية فينعكس ذلك سلباً عليه ويزيد من عزلته الدولية.

نصّار نصّار

لعل المتتبع للثورة السورية منذ بداياتها وفي مختلف مراحلها يرى وبشكل واضح وجلي ما قامت عليه من أسس ومبادئ وأهداف ثابتة ومشروعة شكلت منطلقاً لها، ولعل الناظر بعد هذه السنين العجاف لما تحقق منها على أرض واقعنا المرير لا يكاد يرى شيئاً مما نادى به الشعب السوري، على الرغم من تجدد الدعوات وبشكل مستمر على لسان ممثلي الشعب السوري مرة بعد مرة على شكل بيانات ومواثيق واتفاقيات جسدت هذه المطالب المشروعة والمحفوظة أصلاً لجميع شعوب الأرض لدى منظمات حقوق الإنسان والاتفاقيات والمواثيق والشرائع الدولية.

لا شك أن عدم جدية المجتمع الدولي بسماع صوت السوريين والوقوف على أهدافهم أمر بديهي ومعلوم للجميع، إلا إننا وبالمقابل لا يمكن أن نغفل عوامل أخرى كرست عزلة الثورة اليتيمة أصلاً.

فهل انحرفت البوصلة نتاجاً لكل تلك المعطيات وتغيرت الأهداف وتدنى سقف المطالب وتراجع السوريون عن مبادئ بذلوا من أجلها المهج وجادت لها النفوس؟

أم أن الذي اختلف فعلاً هم من يتصدرون مشهد اليوم بأقنعة مزيفة وأسماء مستعارة وخلفيات مجهولة أدت في نهاية المطاف لوسم الثورة وصبغتها بإيديولوجية توافق أجنداتهم التي انعكست سلباً في غير صالح الشعب السوري؟

انطلقت الثورة السورية باحتجاجات شعبية عفوية سلمية عام 2011م ومن المعلوم للجميع أن الشعار الأول  الذي طرح ومنذ أول تظاهرة خرجت ضد النظام السوري هو “الحرية” وذلك رداً على شعار السلطة “الله سورية بشار وبس”، كان هذا الشعار يُلخص عقود من النضال ضد سلطة دكتاتورية شمولية لأجل تحقيق الدولة الديمقراطية، وغير خفي أن تغير الشكل السياسي للسلطة لم يكن هو فقط جوهر الثورة بل كان من ضمن أولوياتها كذلك تحقيق وضع اقتصادي يضمن حلاً لمشكلة البطالة والفقر الشديد وانهيار التعليم والصحة والسكن.

تطورت الأحداث في السنوات اللاحقة وتغيرت الظروف فاجتمعت أكبر فصائل المعارضة السورية المسلحة لتعيد التأكيد على ذات الأهداف فيما بات يعرف بـ “ميثاق شرف ثوري للكتائب المقاتلة في يوم 17/5/2014 م، حيث تضمن الميثاق أحد عشر بنداً نصت على أهم المبادئ التي كانت ولا زالت تحكم العمل الثوري من مثل: رفض الغلو والتكفير والمساواة بين قوات النظام ومسانديها وتنظيم الدولة الإسلامية كهدف، واحترام حقوق الانسان ورفض التقسيم والاعتماد على عناصر سورية في القتال، مؤكداً في الوقت ذاته على هدف إسقاط النظام ورموزه كمدخل لتحقيق تلك الأهداف وتقديمهم لمحاكمة عادلة، كما حصر الميثاق القتال داخل الأراضي السورية مع ضرورة تحييد المدنيين، ورحب بأي مساعدة خارجية لخدمة أهداف الثورة تمهيداً لإقامة دولة العدل والقانون والحرية والتي تكفل العيش الكريم لكافة أطياف الشعب السوري.

وفي العام ذاته وضمن مبادرة “واعتصموا” أعلن مئة فصيل عسكري في يوم 29/11/2014م عن تشكيل ” مجلس قيادة الثورة ” بهدف توحيد القوى الثورية لإسقاط نظام بشار الأسد بكل رموزه وأركانه. حيث شملت الرؤية التي وضعها مجلس قيادة الثورة إدارة المرحلة الانتقالية لحين تسلم ممثلي الشعب السلطة في الدولة وفق محددات تضمن سلامة أهداف الثورة، والجدير بالذكر أنه وضمن أهم توصيات الميثاق وجوب اعتماد علم الاستقلال.

ومع تتابع الأحداث في العام الذي يليه أطلق  المجلس الإسلامي السوري 5 في 18/9/2015م وثيقة المبادئ الخمسة للثورة السورية في مؤتمر صحفي، وقع على هذه الوثيقة مجموعة من الهيئات الشرعية والقضائية والفصائل الثورية والكيانات السياسية ومنظمات وروابط المجتمع المدني والمجالس المحلية و الشخصيات والرموز الوطنية، حدد هذا البيان من خلال هذه المبادئ هوية الحراك الثوري وتوجهاته المستقبلية من جديد لقطع الطريق على المحاولات التي تبذل لإجهاض الثورة السورية ووسمها بصفة الإرهاب، وذلك من خلال إعادة التأكيد على إسقاط النظام ورموزه ومحاكمتهم والمحافظة على مؤسسات الدولة وخروج القوى الأجنبية الطائفية والإرهابية والحفاظ على وحدة الأراضي السورية إضافة لرفض المحاصصة السياسية والطائفية.

وفي ذات السياق وسعيا لتوحيد الجهود وفق إطار العمل المشترك الذي يصب في مصلحة الثورة السورية، أعلنت عشرون منظمة وهيئة حقوقية سورية في 23/ 11 / 2016م مجموعة من الثوابت والمبادئ التي اعتبرتها مرتكزاً لانطلاق سورية الحديثة، فاعتبروا بناء عليه جميع الاتفاقيات والعقود التي أبرمها النظام خلال الثورة باطلة وغير ملزمة للشعب السوري مطالبين بإخراج المعتقلين وكشف مصير المغيبين قسرياً ومؤكدين من جديد على ضرورة إسقاط النظام ورموزه وأركانه وملاحقتهم أمام الجهات الوطنية والدولية والعمل على إيقاف الجريمة الهادفة للتغيير الديمغرافي، مع ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً ورفض كل أشكال التقسيم بما فيها الفيدرالية وتحرير سوريا من الاحتلال الروسي والإيراني والميلشيات الطائفية.

واستمرار لكل ذلك لا تكاد تغيب شمس يوم إلا ونجد شكلاً من أشكال الحراك الثوري ـ رغم كل التحديات ـ  المعبر عن مبادئ الثورة التي لم تتبدل ولم تنحرف يوماً ولا زالت حاضرة بقوة وبشكل واضح لا يدع مجال للشك على مدار سني الثورة الست، إلا أن الذي حصل في الأيام الأخيرة هو أنها وصلت إلى مفترق حاسم يتوجب عنده الابتعاد نهائياً وبشكل واضح عن تنظيمات تسيء لها بقدر ما يسيء النظام إلى الشعب، إذ إن تصدرها للمشهد مع تمسكها بمشروعها وفي ظل استحالة فك عزلتها في الوضع الراهن، حال دون الحصول على دعم واضح للثورة السورية أو على الأقل اتخذت القوى الكبرى ومن لف لفها من ذلك حجةً وذريعةً حتى الآن لتبرير ترددها وإحجامها تجاه الثورة السورية.

المصادر:

شبكة شام – جريدة عنب بلدي – التجمع الوطني الحر

مصدر العربي الجديد الجزيرة نت العربي الجديد
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.