ما قبل زوال النظام بقلم ساطع نور الدين

عندما يتكىء ثوار سوريا على الحتمية التاريخية وحدها، تصبح الذكرى الثالثة لانطلاق ثورتهم مجرد لهوٍ على ايقاع الزمن البطيء، يشجع النظام وتنظيم داعش على المضي قدما في رقصهما المجنون على القبور.
في مستهل عامها الرابع، ما زال الثوار جاهدين في مسعاهم لتعريف تلك الهبة الشعبية، وتفكيك رموزها، وتحديد معالمها. لم يصلوا بعد الى توضيح وجهتها، التي تبدو في بعض الاحيان، وكأنها ثأر شخصي مع الرئيس، مع العائلة، مع الطائفة.. مع ان المعركة صارت اكبر من تصفية حسابات تاريخية قديمة، وابعد من كونها حركة تغيير لنظام حكم او بنيان دولة.
ما زالت واحدة من اغرب الثورات في العالم واعنفها على الاطلاق. ثمة خيط رفيع يربط بين المقاتلين على المحاور وخطوط التماس المنتشرة على امتداد الارض السورية. هو بالتحديد ذلك الثأر. وكل ما عداه ينذر بان السنوات الثلاث الماضية كانت مجرد مناوشات محدودة.. لم تساهم في تقريب موعد تشكيل القيادة العسكرية الموحدة وغرفة العمليات المشتركة، ولم تؤد تاليا الى اضعاف النظام وقوته، بل ولم تفرض عليه حتى تغيير اسلوبه الوحشي ضد المدنيين العزل.
لن يتوقف القتال ولن ينتظم، لان الدوافع الفردية ( غير السياسية) كانت ولا تزال هي الاقوى، ولان الهوة سحيقة بين كل ما هو عسكري وما هو سياسي-ثقافي. التخاطب مقطوع بين الجانبين اللذين يطمئنان فقط الى عدالة القضية، والى بعدها الانساني والاخلاقي. ويستوي في ذلك المعارضون مع الموالين..الذين اكتسبوا نتيجة الانقلاب الاسلامي الاخير في صفوف الثورة زخما اضافيا في الداخل والخارج، لم ينجح في تقويضه المجادلون في شرعية الثورة وأحقية مطالبها.
هؤلاء يؤدون دور الناطق الرسمي باسم الثورة، والمدافع عن هويتها امام العالم.. من دون ان يقترن هذا الدور بمخاطبة الثوار انفسهم ومناقشتهم ومحاسبتهم وتصويب مسارهم، ومن دون ان يتفاعل ذلك الدور مع المؤسسات التي انتجتها الثورة، ويفعّلها، بحيث لا تكون سببا اضافيا للشقاق بدل ان تكون مركز جديدا للقاء. الائتلاف الوطني نموذج صارخ، لذلك الخلل البنيوي في صفوف المعارضة السورية، وربما ايضا في تكوين الشخصية السورية. وهو خلل مذهل فعلا، اذا ما قورن بحجم الدم الذي يسيل في سوريا اليوم، والذي كان يفترض ان يؤلف بين الجميع ويضعهم في خندق واحد.
لن يتوقف القتال، لان طرفيه ما زالا يتحدثان مع العالم الخارجي اكثر مما يتحدثان مع جمهورهما. وهما ينسخان اللغة اللبنانية التي ابتكرت “حروب الاخرين على ارض لبنان”.. مع ان ميزة الحرب السورية هي انها في الاساس جهد خاص، ما زال “الاخرون” على اختلافهم، يتهيبون الانخراط به حتى النهاية مخافة الاستنزاف او حتى الانكسار، وما زالوا يعتمدون على وكلاء لبنانيين وعراقيين او “عرب افغان”..
   لعل الانتخابات الرئاسية السورية تكون فرصة لمثل هذا الحديث المؤجل، سواء من جانب النظام ومرشحه الاوحد مع جمهوره الخاص، او من جانب المعارضة التي لن يكون لديها مرشح، لكنها ستكون مدعوة الى التفكير بهذا الاحتمال الذي سيظهر يوما ما، من تحت الركام السوري ليتحدى جمهورها وجميع تنظيماتها السياسية والعسكرية.. طالما ان التفاوض مرفوض ومحظور ، لاسباب وجيهة الان، من قبل الجانبين ، لكنها لن تبقى كذلك عندما يدنو خطر التقسيم باعتبارها مفراً اخيراً من الحسم الباهظ الثمن، بل والمستحيل.
وفي مثل هذا النقاش حول الرئاسة، ما يمكن ان يفسر الكثير من سلوك النظام وما يكشف من شعبيته الحقيقية وما يحدد خطته المقبلة السياسية والعسكرية ، وما يبرر للمعارضة القول انها نجحت في التشكيك بشرعية النظام وحالت دون تحويل التوريث الى شرعة سورية أبدية، وهي مستعدة لدخول السياسة من اوسع ابوابها، ولترتيب شؤونها الداخلية المحيرة للعالم اجمع .
نقاش متواضع، بالمقارنة مع الحتمية التاريخية لزوال النظام ، لا يوازي التضحيات التي قدمها الشعب السوري حتى الان.. لكنه اجدى من السؤال عن سبب بقاء النظام وعن سبب صمود الثورة.. اوعن مدى تورط الخارج، ودوره في دخول السنة الرابعة من عمر الثورة.
المدن
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.