ما بين الشعر والسينما..طريق جديد للإبداع – د.سماح هدايا

تحاول هذه المقالة القصيرة اقتراح تصوّر متعلّقٍ بطبيعة الصّلة بين القصيدة الشّعريّة والفيلم السّينمائيّ في مجال الإبداع…ولعلها تستفيد من مشروع النهضة والثورة، لكي تقدم ملمحا تنويريا يسهم في إضاءة الطريق امام إبداعنا الفني والحضاري في الأدب والسينما، خصوصا، ونحن نواجه استحقاقا خطيرا مكتوبا بدماء الأحرار وضحايا الحرية، مغموسا بقصص الكثيرين من الأبطال ومن الضحايا الذين ينتظرون من يوثّق تاريخ جراحهم ونكباتهم وبطولاتهم. الفن يمكن ان يكون عونا كبيرا للثورة.
تبدو الصّلة بين الفنون، حاضرة بقوة؛ لأنّ الفنون عمل إبداعيّ قوامه المخيّلة والوجدان. ولعلّها تكون، بعامّة، أشدّ وضوحاً في ظاهرة التّأثّر والتّأثير، وفي طبيعة الصّلة الفنّيّة، بالإضافة إلى عمليّة الاقتباس. والقصيدة التي تنحتها عناصر الشّعر الفنّيّة، معتمدة على فنّ الكلمة وجمالها اللغويّ والموسيقيّ والرّمزيّ، تتصل ببعض عناصر يالسّينمائيّ، الذي يتأسس في عناصره الفنيّة، على فنّ الصّورة وجمالها الحسّيّ والمعنويّ، وذلك في التّركيز الشديد على قيمة الصّورة وطاقاتها العاطفيّة والجماليّة، على الرّغم من اختلاف طبيعة إيصال الصّورة بين الشّعر الذي تثير كلمتة الصّورة وتخيّلها، وتنشيء التّصوير، والفيلم السّينمائيّ، الذي تجسّد لقطاته المرئيّة والمسموعة الصّور، وتصنع التّصوير.
ربّما يبدو في القراءة الفنّيّة الأولى أنّ الصّورة نقطة اللقاء الفنّيّة بين القصيدة الشّعريّة والفيلم؛ لكنّ التّعمّق في الملاحظة، يكشف أن طبيعة الصّورة تختلف بشكلٍ كبير بين الفنّين؛ فهي في القصيدة متخيّلة بواسطة الكلمات، وفي الفيلم محسوسة. ومن ثمّ فإن الخطاب، يختلف، في فنّ السّينما، عن فن الشّعر اختلافاً أساسيّاً؛ فالشّعر يتأسّس اعتماداً على الكلمة ومعناها ورمزها، وعلى استخدامها الأدبيّ والفنّيّ، الذي يشير إلى المعنى ويصنع الخيال، ويتكوّن من صناعة الكلمة، ومن صياغة الصّورة الأدبيّة المعتمدة على الكلمة، بمفرداتها وجملها وقواعدها، التي تحكم صياغة اللغة والجماليات اللغوية؛ فيكتب الشّاعر بألوان الصنعة الأدبيّة الشّعريّة ؛ ما يجعل الصّورة تستمدّ معناها من العلاقة بين الكلمات. لكنّ الّسينما تنشأ اعتماداً على الصّورة، من خلال الصّور الفوتغرافيّة المتحرّكة للأشياء المجسّدة، التي تمثّل المفاهيم والأحاسيس والمشاعر والأفكار، وتجعل الصّورة تستمدّ معناها من خلال العلاقة بين اللقطات من داخل المونتاج اعتماداً على الصّور، التي تلتقطها الكاميرا والمشاهد المرتّبة؛ فقواعد السّينما وقوانينها مبنيّةٌ على منطق الصّورة وحركتها وترتيبها؛ ما يجعل طبيعة الخلق الفنّيّ مختلفة بين فني الشّعر والسّينما؛ فيصنع المخرج فيلمه بلغة الكاميرا وحركة صورها ودلالتها في اللقطة والمشهد.
والشّعر يحوّل كلماته إلى صور، تجعل قارئها وسامعها جزءاً من عمليّة إنتاجها، في أثناء تخيّله الصّور، التي توحي الكلمات بها؛ فيتمتّع المتلقّي بحريّةً أوسع في استقبال الصّورة واستكمالها وتخيّلها؛ لكنّ السّينما تتمثّل صورها حاضرةً، أمام المُشاهد؛ مايُضعف دوره وحريّته في إنتاج العمل الإبداعيّ، الذي يتلقّاه، ويتخيّله. وقارىء الشّعر يقبل على قرائته والاستمتاع بقيمه الفنّيّة، وبمتعة الخيال، في لحظاتٍ جميلةٍ، بعيداً عن الواقع ورتوبته، بالعيش في عوالم غنيّةٍ بسحر الخيال والعاطفة؛ فالشّعر عملٌ فنّي إبداعيّ، يحقّق قدراً كبيراً من الخيال، والإغراء اعتماداً على صناعة الكلمات، التي تخاطب الرّوح، والمخيّلة والوجدان، لكنّه يقدّم موضوعاته، في توجّه إنسانيٍّ، ويقدّم انعتاقاً روحيّاًُ، من دون أن يسقط الواقع من غاياته. بينما يعيش مُشاهد السّينما، الواقع في حقيقته، وفي افتراضيّته الفنّيّة؛ إذ تسعى السّينما، وهي في أشدّ حالاتها الخياليّة، إلى تقريب الواقع؛ لأنّ الصّور السينمائيّة، تعتمد، أساساً على المادة الموجودة في الواقع المحسوس، وتستند إلى واقعيّة القصّة وبلاغة صورتها.
ويبدو خطاب السّينما، أقوى تأثيراً في الحواس؛ لأنّها تخاطب الحوا س مباشرةً في عمليّة تجسيد الصّور الحقيقيّة والخياليّة أمام عيني المتلقي وأذنيه، ولأنها تملك حرية في الحركة؛ لكنّ الشّعر يشكّل صوره بما تثيره الكلمات في خيال الإنسان. والسّينما تتأثّر في معالجة صورها، والسّيناريو، والموسيقى، والشّخصيّة، والحوار، بالشّعر، من خلال طاقاته العاطفيّة الوجدانيّة العميقة، في حين لا يخضع الشّاعر، بالضّرورة، لمؤثّرات السّينما، وقد يقتصر تأثّره على استخدام صوره الشّعريّة وتحريكها بما يشبه ترتيب اللقطات في المونتاج السّينمائيّ؛ غير أنّ الصّلة بين الفنّين، تشتدّ في أفلام السّينما البصريّة، التي تلحّ على استخدام لغة الصّورة، وتقلل من أهميّة الحدث والحكاية.
أما في طبيعة الإبداع الذّاتيّة؛ فإنّ الشّاعر يبدع، وحده، القصيدة، فهي تجربة ذاتيّة فرديّة، وإن كانت تتأثرّ بتجارب الآخرين وخبراتهم وإبداعهم؛ لكنّ الفيلم، بعامّةٍ، هو عمليّةٌ جماعيّة، يشارك فيها، بالإضافة إلى المخرج، الذي يتأسس الفيلم على رؤيته، مجموعةٌ من الأشخاص؛ مثل: كاتب القصّة، مختصو الديكور والمونتاج والصوت والتّصوير، ومؤلفو الموسيقى، والممثّلون، ومصممو الملابس، الذين لهم رؤيتهم الفنّيّة الخاصّة.
وبإيجاز؛ فإنّ السّينما تُوجّه اهتماماً خاصّاً نحو الصّورة، ويُوجِّهُ الشّعر اهتمامه نحو جماليّة الكلمة؛ مايبعد المسافة بين كليهما، ويجعل كلاًّ منهما مستقلاٍ بطبيعته، على الرّغم من اتصالهما القوي، في اعتمادهما معاً، على فنّ الصّورة البصريّة والمسموعة، وعلى أهميّة المشهد البصريّ والصّوت في الموسيقى والإيقاع؛ فمتلقّي؛ الشّعر، يتذوّق اللغة، وصوره الأدبيّة، ومُشاهِد السّينما يتذوّق إغراء الصّور المتحرّكة وحبكتها. لكنّ ذلك لا يمنع من حضور الصّلة، ومن إمكان تطويرها، مع الإشارة إلى السّينما، في الوقت نفسه، قد تستفيد من الشّعر في مدّ صورها بالطّاقة الشّعوريّة؛ فقد تساعد قصيدته في تحريك صورها ومشاهدها، وفي تجسيد بعض الحواس والأحاسيس الواردة في القصيدة عند تحويلها إلى فيلم؛ ما يجعل العمل الفنّيّ المقتبس من القصيدة، إن أُتقن عمله، وفُهم جوهره الفنّيّ، وغايته الجماليّة لوجدانيّة، ناجحاً في تطوير الإبداع الفنّيّ، وتأثيره؛ فينقل الأحاسيس المختلفة، التي صنعتها القصيدة من خلال الكلمات، والصّور التي أنتجتها، ويجسّدها بصور ومشاهد محسوسة في جانبيها البصريّ والسّمعيّ؛ مثل تجسيد صوت الرّيح، تجسيد لون الغروب، تجسيد شكل الطّبيعة والأشخاص، ويجعلنا نشاهد لوحةً حقيقيّة، على الرّغم من افتراضيّة عالمها، وعلى الرّغم من إضعافه قوّة الصّورة الشّعريّة في جانبها الحسّيّ المتعلّق بالصّور الشّميّة واللمسيّة.
ويمكن أن نحدّد في العمل السّينمائيّ المقتبس من الشّعر، شكلين اثنين: الاقتباس من القصيدة الغنيّة بصور الوصف المحسوسة الواقعيّة، وصور الطّبيعة وصور المكان الحيّة، القريبة من الصّور السّينمائيّة. والاقتباس من القصيدة القائمة على القصّة. ونضرب مثلاً على الشّكل الأوّل مقطتفاً من قصيدة القصيدة البحريّة للشاعر نزار قبّاني؛ فهي تزخر بصور الطّبيعة المحسوسة، شبيهة بمشاهد سينمائيّة طبيعيّة ساحرة، يمكن أن تلتقط كاميرا الفيلم في عدستها وتقنيّاتها، جمالها وألوانها واشكالها وحركتها، وتصوغ إيقاعها الشّعريّ المحسوس، بما يلائم فيلماً:
في مرفأ عينيك الأزرق
أمطار من ضوء مسموع
وشمس دائخة.. وقلوع
في مرفأ عينيك الأزرق
شباك بحري مفتوح
وطيور في الأبعاد تلوح
في مرفأ عينيك الأزرق
يتساقط ثلج في تموز
ومراكب حبلى بالفيروز
في مرفأ عينيك الأزرق
أركض كالطفل على الصّخر
أستنشق رائحة البحر
وأعود كعصفور مُرهق
ونضرب مثلاً على القصيدة القصّة قصيدة المجد للضفائر الطويلة للشاّعر نزار قبّاني؛ فهي
مجموعة لوحات قصصيّة، غنيّة بالأحداث والصّور السّريعة، ذات الإيقاعٍ الحركيٍّ القريب من
عالم السّينما الرّوائيّ:
وكان في بغداد يا حبيبتي، في سالف الزمان
خليفة له ابنة جميلة
عيونها
طيران أخضران
وشعرها قصيدة طويلة
سعى لها الملوك والقياصرة
وقدّموا مهراً لها
قوافل العبيد والذهب
وقدموا تيجانهم
على صحاف من ذهب
ومن بلاد الهند جاءها أمير
ومن بلاد الصّين جاءها الحرير
لكنما الأميرة الجميلة
لم تقبل الملوك والقصور والجواهرا
كانت تحب شاعرا
يلقي على شرفتها
كل مساء وردة جميلة
وكلمة جميلة
ويمكن أن نختم مقالتنا القصيرة، بالقول: إنّ القصيدة فنٌّ شعريّ مستقل؛ لكنّها تتصل بفنّ السّينما من حيث اعتمادها على فنّ الصّورة؛ وتبدو صلتها بها قويّة في بعض الحالات الفنّيّة، الغنيّة بالوصف، وبالصّور المحسوسة، وعندما تكون قصيدة قصصيّة. ولعلّ تحويل القصيدة إلى فيلم عملٌ يثري الإبداع الفنّيّ، إذا نجح المخرج في قراءة الصّور الجماليّة الشّعريّة، وأتقن استخدام الأدوات الفنيّة السّينمائيّة الملائمة للمعادَلة الفنّيّة.
د.سماح هدايا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.