ما بين التصالحية، والتعويضية، والانتقالية.. أي عدالة تحتاجها سوريا؟

نستعرض فكرة العدالة من زواياها المتعددة، التصالحية، والتعويضية، والانتقالية ومحاولة تحديد الفروقات القانونية بين هذه المصطلحات، وبين ما يترتب عليها من آثار سياسية وإنسانية.

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

تعرض المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا “غير بيدرسون”، إلى انتقادات شديدة من مختلف أطياف المعارضة السورية، بسبب استخدامه مصطلح “العدالة التصالحية” خلال إحاطته حول أعمال اللجنة الدستورية السورية أمام مجلس الأمن في اجتماعه الأخير.

الأمر الذي استدعى من بيدرسون إصدار بيان قال فيه إن استخدام المصطلح كان خطأ فنياً؛ وبشكل غير رسمي تحدث عن استخدام مصطلح “العدالة التعويضية” من قبل أعضاء وفد المجتمع المدني خلال الجولة الأخيرة لاجتماع اللجنة الدستورية، وهو الذي ترجم بشكل خاطئ إلى “العدالة التصالحية

ما دلالات المصطلحين وما سبب الغضب والانتقادات التي رافقت الحدث؟

في الواقع لا يمكن أن يمر مرور الكرام استخدام تلك العبارات في اجتماعات مجلس الأمن أو اللجان المنبثقة عن الأمم المتحدة. فتمريرها بداية، يعني اعتمادها في وثائق الجهات الأممية كمنهج في مسار الحل السياسي الخاص في الشأن السوري؛ ويعني تجاوز موضوع المحاسبة وتجاوز المرحلة الانتقالية والقبول بالوضع القائم، طالما قبل ممثلو الشعب السوري بالتعويض عن ممتلكاتهم التي فقدوها.

المفهوم التقليدي والفطري للعدالة، يرى الجريمة أذى يصيب الناس، والعدالة تعيد التوافق الاجتماعي، بمعاونة الضحايا والجناة والمجتمعات على التئام شملها.

المفهوم الحديث للعدالة: (العدالة التصالحية) أتى من إعادة تقييم العلاقة بين الجاني والضحية والمجتمع؛ وتهدف إلى تجنيب الاختلالات التي تحابي بعض أصحاب المصالح على حساب البعض الآخر. هي نظام مكمل لممارسات العدالة الجنائية، وتختلف تبعاً للممارسات الوطنية ومجمل الظروف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من الظروف. يتضمنها صك دولي إرشادي، بمعنى نصوصه غير ملزمة، لكن توفر توجيهات للدول عند وضعها لبرامجها الوطنية.

وورد في ديباجة القرار 12/ 2002، المعنون بـ “منع الجريمة والعدالة التصالحية” الصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة اجتماع فيينا العام 2002، “هي رد آخذ في التطور تجاه الجريمة يحترم كرامة ومساواة كل شخص ويبني التفاهم ويعزز الانسجام الاجتماعي من خلال علاج الضحايا والجناة والمجتمعات المحلية. هذا النهج يتيح الفرصة للضحايا للحصول على التعويض، والشعور بأمان أكبر، والسعي إلى الإنهاء؛ ويتيح للجناة إدراك أسباب سلوكهم وآثاره وتحمّل المسؤولية بطريقة ذات معنى؛ ويمكّن المجتمعات المحلية من فهم الأسباب التي تنشأ منها الجريمة، وتعزيز رفاه المجتمع المحلي، ومنع الجريمة”.

ولإحاطة بالفكرة نستعرض فكرة العدالة من زواياها المتعددة، التصالحية، والتعويضية، والانتقالية ومحاولة تحديد الفروقات القانونية بين هذه المصطلحات، وبين ما يترتب عليها من آثار سياسية وإنسانية.

العدالة التصالحية

مبدأ مكمل للنظم الجنائية، لكن تعتمد على الرضائية والتواصل ومعالجة عواقب الجريمة، تعتبر الحفاظ على الكرامة والمساواة لكل شخص من أولوياتها، وتبني التفاهم وتعزز الوئام الاجتماعي عن طريق إبراء الضحايا والمجرمين والمجتمع المحلي من الأذى. وهي أي برنامج يستخدم عمليات تصالحية، ويسعى لتحقيق نواتج تصالحية، تعزز السلم الأهلي.

العدالة التعويضية

يقصد بها تعويض الأشخاص المتضررين بشكل عادل يتناسب مع حجم الضرر الذي لحق بهم. وهو مفهوم مدني، ولا يشترط ارتباطه بجرم أو إيذاء مقصود. يمكن أن ترد في أي سياق فيه ضرر يستوجب التعويض. وهي تبعاً لمفهومها، خالية تماماً من مفهوم والملاحقة القضائية لمن ارتكب الانتهاكات. ولا تتضمن مرحلة انتقالية، تتم في مرحلة واحدة فقط. واعتماد “العدالة التعويضية” يعني التخلي عن العدالة الانتقالية، وعن المرحلة الانتقالية في مسار الحل السياسي. بمعنى بقاء الحال على ما هو عليه والتخلي عن مطلب الانتقال وإعادة تثبيت نظام الأسد وتبرئته من الجرائم التي ارتكبها.

العدالة الانتقالية

مصطلح صاغه عدد من الأكاديميين الأميركيين، في نهاية القرن الماضي. أرادوا به وصف الطرق المختلفة، التي اتبعتها دول مختلفة، في معالجة مشاكل وصول أنظمة جديدة للسلطة، وكيفية مواجهة الانتهاكات الجسيمة لأسلافها.

تطورت الفكرة مع بداية الألفية الثالثة، على أساس الاعتراف بمبادئ حقوق الإنسان واعتبار انتهاك الحقوق فعل لا يمكن تجاهله. وباتت تُشير إلى مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي قامت بتطبيقها دول مختلفة من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتتضمّن هذه التدابير الملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر وأشكال متنوّعة من إصلاح المؤسسات. فالعدالة الانتقالية مرتبطة في المساءلة وجبر ضرر الضحايا والاعتراف بكرامتهم كمواطنين وكبشر. وترتبط بالانتقال إلى نظام حكم جديد.

إن وضع الضحايا وكرامتهم في المقدمة، يشير إلى الالتزام بجعل المواطنين العاديين على يقين بالأمان في بلدانهم من تجاوز السلطات أو اعتداءات من الآخرين. الدول التي تعرضت لانتهاكات ممنهجة وفظائع جماعية وتدمرت مجتمعاتها، غالباً تكون بوضع متهالك سواء في البنى التحتية أو المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية، وتتلاشى الثقة بين المواطن والدولة. في هذه الظروف يقتضي العثور على استجابة مشروعة للانتهاكات واسعة النطاق. هو ما يُعرف بالعدالة الانتقالية.

العدالة الانتقالية محاولة لمواجهة الإفلات من العقاب

ممارسة العدالة الانتقالية اليوم هي محاولة لمواجهة الإفلات من العقاب، والبحث عن سبل إنصاف فعالة والحيلولة دون تكرار الانتهاكات، يتطلب ذلك تقدير دقيق وواعٍ للسياقات حيث يتم القيام بها. وإن اختلفت أهدافها باختلاف السياق، لكنها دوماً تحافظ على سمات ثابتة وهي، الاعتراف بكرامة الأفراد والإنصاف والاعتراف بالانتهاكات وهدف منع وقوعها مرة أخرى.

إن تطبيق مسار العدالة الانتقالية من شأنه أن يفتح المجال أمام السوريين لتحقيق سلام حقيقي، وسيساعدهم في معالجة تبعات الحرب، وإعادة بناء سوريا من جديد على أساس من السلام واحترام حقوق الإنسان.

مصدر ICTJ، الأمم المتحدة المجلس الاقتصادي والاجتماعي اجتماع فيينا 2002
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.